البصائرتحاليل وآراء

ما معنى الشعار السياسي: الجزائر الجديدة في بلادنا؟

بقلم أ.د عمار طالبي

بدأ شعار الجزائر الجديدة بانتخاب الرئاسة وبتعديل الدستور، وانتخاب المجلس الوطني، ونحن الآن مقبلون على انتخابات أخرى للبلديات.

وهل تشكيل الحكومة الذي أعد برنامجها هذه الأيام يكفي أن نطلق عليه أنه تجديد؟

فما معنى التجديد الذي نتصوره، فليس الترقيع تجديدا حقيقيا.إنه وضع استراتيجيات محكمة العناصر، بناء على معطيات واقعية إحصائية مخططة، فنحن في حاجة إلى تغيير كلي لا جزئي، بأن نضع استراتيجية تربوية فعالة تأخذ بعين الاعتبار ما استجد من نظريات تربوية ومناهج فعالة، ووسائل لتنفيذها ومتابعة التنفيذ ومراقبته، وهنا تأتي  مسؤولية البرلمان في هذه المراقبة،  ويتبع تجديد السياسة التربوية، وضع استراتيجية للثقافة التي هي دم الحياة الفكرية والاجتماعية، ولا نضيع الأوقات والأموال في العناية الزائدة بالثقافة الفلكلورية البالية.

ثم إن اقتصادنا يعاني ما يعاني فهو يحتاج إلى إقلاع استراتيجي بداية من وضع سياسة واضحة، مخططة لمدى قريب وبعيد للفلاحة، فإننا متأخرون جدا في هذا المجال، فأين الخبراء في هذا المجال؟ وأنتم تعلمون أن أغلب أراضينا صحراوية جافة فأين التدبير المحكم لمشكلة المياه لبّ الفلاحة وجوهرها؟ فأين نحن من بناء السدود، واستعمال البحيرات من الماء في الجنوب؟ فقد فشلت الثورة الزراعية التي كانت شعارا لم يضع في اعتباره مشكلة السدود والمياه، فهل تفلح الفلاحة بدون ماء؟

ثم إن ما يسميه ابن العوام الأندلسي سيد علم الفلاحة، وسيد ما يسميه أيضا فلاحة الحيوان أمر مهم، إن تربية الأنعام عندنا لم يدبر أمرها علميا إلى اليوم، فالإبل في الجنوب آيلة إلى الانقراض، ولا تجد من يعنى بها من البياطرة ومعالجة أمراضها، وقد سمعنا هذه الأيام شكوى أصحابها الذين لا يجدون لا بياطرة ولا أدوية، أما الأغنام والأبقار فتلك قضية كبرى لم ننجح إلى يومنا هذا أن نصل إلى الاكتفاء الذاتي في مادة الحليب الضرورية في حياة الناس، وإذا تكفلت الدولة بتوزيع بعض الأبقار على الفلاحين، فلا يلبثون أن يبيعوها لاستهلاكها لحما، دون متابعة ولا مساءلة، وفتحنا الباب لشركات أجنبية تستغل أموالا طائلة يمكن لها أن تشتري أبقارا وتربيها تربية علمية منتجة، ونستغني عن الشركات الأجنبية.

أما مشكلة الحبوب وزراعتها فإننا نحتاج إلى تجديد سياستنا علميا، بتشجيع الفلاحين في الصحراء باستعمال وسائل جديدة فعالة لإنتاج الحبوب من القمح والشعير وغيرها.

أما النخيل والزيتون فإنهما في حاجة إلى التوسع في غرسهما والعناية بهما.

إن مشكلة المياه مشكلة عالمية وربما قامت حروب من أجلها نظرا لتغيير المناخ وغيره من العوامل البيئية، واستهلاك المصانع للمياه باطراد، وما سدّ النهضة في إثيوبيا ومشاكله مع السودان ومصر عنّا ببعيد.

وقد نبّه مالك بن نبي إلى أن من أجود الأراضي الزراعية في العالم أرض السودان، وأرض العراق، وما يتوفر لهما من مياه دجلة والفرات، ومياه النيل، ولكن لم يستطع أي منهما الإقلاع الاقتصادي بهذه الوفرة لانعدام استراتيجية فعالة، والخمول في الطاقة الاجتماعية التي هي عماد التنمية.

ونحن أيضا في الجزائر نعاني من الخمول الاجتماعي، فالعامل عندنا والموظف، والفلاح لا يبذل عموما الجهد الكافي في عمله، ولذلك فإن الإنتاج في غاية الضعف، فإن استثمار الطاقة الاجتماعية هو العامل الرئيسي في الإنتاج، ألِفَ الإنسان عندنا المطالبة بالحقوق، ونسيان القيام بالواجبات، وهذا خلل نشأ من سياستنا إلى اليوم، وهي أننا نعد بالحقوق ولا نهتمّ بضرورة القيام بالواجب بفعالية حقيقية فأصبح الناس عندنا يطالبون يوميا بالسكن، وبغيرها، ولا يبذلون جهدا في الاعتماد على أنفسهم، والتوجيه السياسي ساعد على هذا الاعتماد على الدولة فإلي متى تعد الدولة ببناء المساكن وهل تستطيع الوفاء بذلك؟

فلماذا نبني لكل الناس، ألا يمكن أن نجعلهم يعتمدون على أنفسهم ويمكن أن تقرضهم الدولة ما يمكن أن يعتمدوا عليه ذاتيا، وأن لا يتكل كل الناس على أن تبني لهم الدولة فهذه السياسة لا تقوم بها أكبر دولة وأغنى دولة مثل أمريكا، وهذه الدول تقتصر في هذا على ما يسمى بالإسكان الاجتماعي للفقراء المعدمين فحسب، فالمشكلة ليست مسألة الأموال بقدر ما هي بذل الطاقة الاجتماعية للإنتاج، فالعمل هو المولّد للثروة بصفة أساسية وتنميتها.

ثم إن النقل يحتاج إلى استراتيجية فعالة فإنه من أهم الأمور في مجال الاقتصاد فشبكة سكة الحديد والقطارات، وكذلك الأسطول البحري القوي من أهم ما يتطلب في بلادنا العناية والتخطيط، وكذلك شبكة الطرقات السريعة الواسعة، فإن الاعتماد على مجرد الحافلات، والشاحنات لا يكفي، ولذلك نرى الحوادث يوميا تأتي على أرواح المستعملين للطرقات المهترئة.

والنقل البحري عندنا ضعيف جدا، وقد اقتنينا أخيرا باخرة كبرى ،ولكن هذا لا يكفي، والموانئ عندنا ما تزال لا تتسع للبواخر الكبرى، ثم إن نقل الغاز السائل والنفط إلى دول أخرى غير دول البحر الأبيض المتوسط يحتاج إلى مثل هذه الأسطول البحري، إن شركة الطيران عندنا ضعيفة جدا، فهي لا تغطي دول إفريقيا القريبة هنا فضلا عن الصين وأمريكا وآسيا، بصفة عامة، فانظروا مثلا إلى شركة قطر للطيران التي تغطي الصين وهونكونغ والهند وغيرها، فمتى تستقل شركتنا عن تسيير الأجانب، ومثل هذا يقال في المترو وفي ترامواي، ولنا درس في المياه التي كانت بأيدي أجانب يسيرونها كما يريدون.

إن الإحباط أصاب كثيراً من شبابنا فأخذوا يهاجرون، وهم أطباء أو علماء أو عمال فنيون ماهرون، تحتاجهم بلادنا، لا يجدون عناية كافية بهم فيبحرون، ويغامرون لعلهم يصلون إلى ما يظنونه جنة نعيم.

إن على مؤسساتنا أن تعتمد على البحث العلمي وخاصة وزارة التعليم العالي، فإن البحث العلمي هو قاطرة التقدم، ورائدها، وهذه السنون التي أصابنا فيها هذا الوباء (كورونا) تعلمنا الاعتماد على العلم وعلى العلماء في تدبير أمورنا الصحية، ولعله أول مرة نوكل الأمر إلى أهل الاختصاص العلمي، فلنعتمد على العلم في تدبير شؤوننا كلها، وعلى البحث العلمي الذي يجب أن تقدّر له ميزانية كافية للنهوض في كل مجال.

وأن تعلم مناهج التربية عندنا أطفالنا كيف يفكرون، وكيف يلاحظون العالم من حولهم وظواهره، وكيف يسجلون ملاحظاتهم ويفكرون فيها، وفي القوانين التي تحكمها، وأن لا يبقوا  سجناء قسم الدراسة، بل يخرجون إلى الطبيعة خارج المدرسة، ليشاهدوا الظواهر بأعينهم، ويفكروا فيها بعقولهم، فهذا السبيل الممهد للبحث العلمي، والاكتشاف، والإبداع.

فمن الضروري أن يكون لكل مؤسسة مجلس البحث العلمي في مجالها، وأن لا تخلو أي مؤسسة من هذا الفريق من الباحثين، لتبني شؤون تلك المؤسسة على العلم وتطويرها بالبحث لا بالتجارب الخاطئة الضائعة، فنصبح فيما سماه أحد أصدقائنا الأخ الكواري «بتنمية الضياع»، كان عنوانا لأحد كتبه.

قد استمعنا إلى السيد رئيس الحكومة المحترم في قراءته لبرنامج الحكومة فلم نسمع لغة الأرقام لهذه المشاريع، ولا إلى جدول زمني محدد طويلا كان أم قصير المدى ولا سمعنا عن مصادر هذه المشاريع المالية وتكاليفها، فإننا في عصر اقتصاد المعرفة أي أن العلم هو القيمة الكبرى التي تدبّر بها شؤون الدول، ومشاريعها، بدقة رقمية، وزمن محدد، وليس زمانا لا نهائيا، ولعل هذه المشاريع لها مواصفاتها لكن لم نسمعها أو لم يفصل أمرها بعد.

ولعل البناء الجديد من انتخاب البلديات إلى البرلمان، إلى الحكومة، إلى الرئاسة، يكون متكاملا فعالا، في تدبير شؤون البلاد الفكرية، التربوية، الاقتصادية، لننهض من تخلفنا، ونتخلص من نقائصنا، حتى لا يهاجر أبناؤنا، وعلماؤنا وأطباؤنا ،والتقنيون الذين كونّاهم، وينتفع بهم غيرنا.

وآخر ما أريد أن أشير إليه هو هذا الغلاء المتوحش هذه الأيام في مواد معيشة الناس، وقوتهم، وعدم الصرامة في تنفيذ القوانين المنظمة للتجارة، ويبدو أن مراقبة ذلك تجاوزت المسؤولين في وزارة التجارة، والفلاحة، وغيرهما.

إن هذا الغلاء يؤدي إلى تفشي السرقات، والعدوان على الناس، وارتكاب الجرائم من أجل القوت، وانتشار اللجوء إلى المخدرات والتهريب والتهجير الاختياري، فهذا والد الطفل فقير لا يجد ما يسد به حاجة ابنه إلى  الأدوات المدرسية، وهذا، وهذا.

نسأل الله أن يلهم القائمين على تدبير شؤون الأمة سبل تخفيف العناء والغلاء والبلاء، إنه سميع عليم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى