بحوث و دراسات

التكافل الاجتماعي العملي قوة ومناعة/أ.ابراهيم قمور

 

guemour1قضايا التكافل من الموضوعات الحاضرة دوما في أوضاع المجتمعات، ويتم التطرق إليها وعرضها من جانب الأخلاقيين والسياسيين، والواعظين والمصلحين، لأنها من الأهداف الواضحة في السعي الاجتماعي المنظم الذي يرمي إلى القضاء على أسباب الخصام والتصادم بالقول أو الفعل..وما حولنا من أحداث واعتداءات يدعو، بصوت مرتفع، إلى الحرص على نشر عوامل التكافل الذي يستطيع حمايتنا من الضعف والتمزق، وحفظنا من المنازعات بين الفئات الاجتماعية، أليس بعض الاحتجاجات، وما يرافقها من عنف حجة على ضعف التكافل عندنا؟

وتتضمن كلمة -كفل يكفل كفالة- كثيرا من المعاني، منها الاتفاق والرعاية والشعور بعذاب الضعفاء، وتدل أيضا على إقامة مسؤولية مشتركة بين كافة أفراد المجتمع فيما يتصل بالتشاور، والتراحم، والتعاون، وهذا مفروض على المسلمين –ونحن منهم- وليس تفضلا وعطفا ومنة.

وصيغة –تكافل- جاءت على وزن “تفاعل” الذي يسند المسؤوليات إلى المجتمع كل حسب قدرته ومنزلته، واستعداداته وتأثيره، وفي ذلك قيام بالواجب الإنساني الحتمي، ويبين القرآن هذا الاتجاه في الآية العاشرة من سورة الحجرات بقوله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة}، فهذه الأخوة اللازمة تدعم الترابط بين مختلف الفئات على أسس المشاعر والاحتياجات والآمال، وتقرير هذه الأخوة يبرر المقاصد الظاهرة والخفية في التعاملات. ولهذا فالتكافل يعبر عن وحدة المجتمع أصدق تعبير، ويعكس درجة العدل السائد بين الناس، وما دام هذا التكافل يعد من المبادئ الراسخة في ديننا الإسلامي الحنيف، فمن الواجب زرعه ونشره بالتربية، وبالوعظ، وبالتشجيع المتواصل، وذلك حتى يكتسي طابع الشمول، ويحقق المسؤوليات المشتركة بين الجميع لتكون منضبطة وموزعة بنجاعة ظاهرة.

ولا يخفى على أي باحث أو مرشد أن التكافل يقوم على أمرين اثنين: المعنوي والمادي. فالمعنوي يؤكد أن يكون بين المسلم وأخيه تفاهم تام، بحيث تختفي منه البغضاء والشحناء والكراهية والاحتقار والأنانية والاستغلال، وتنبعث منه علاقات توادد وتعاطف مما يفرض على المسلم أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه، كما جاء في أحاديث نبوية شريفة ترشد إلى وجوب الصفاء الحقيقي في التعاملات بين المسلمين.

وبذلك يصح إيمان المؤمن ويتعمق اقتناعه، وتشرق من حوله معالم هذا التكافل الذي لا يخلو منه المواقف المتجددة والمترددة بين السراء والضراء.

ويرتبط مبدأ التكافل الاجتماعي بالعقيدة أشد الارتباط، ولذلك فعلى المسلم صاحب الإيمان الراسخ والرغبة في المغفرة من الله تعالى أن يلبس ثياب الخلق النبيل، ومنها كظم الغيظ، والصفح عند الأخطاء، والإحسان إلى الآخرين، وفي تأييد هذا الموقف المتسامح نجد دلالة الآية الرابعة والثلاثين من سورة فصلت وهي قوله تعالى:{وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ }ولكي تنتشر مظاهر التكافل المعنوي في المجتمع، يأمر ديننا الإسلامي الحنيف في تأكيد بالحرص على الإصلاح بين الناس حين يقع سوء التفاهم، أو تنشب الخصومات، أو يحدث التصادم الفكري أو المصلحي، وأنكر كل ما يقطع وشائج التآخي، ويفسد استقامة المعاملات النظيفة، مثل الربا والاحتكار وأكل أموال الناس بالباطل وأنواع الحيلة المخفية.

أما التكافل المادي فهو متصل بالقدرة على العمل والإنتاج، لأن ديننا الإسلامي الحنيف ينكر التهاون في العمل والنشاط، كما ينكر المعيشة الفارغة التي تكون على حساب الآخرين، لأن فيها تعطيلا لعجلة الإنتاج وتحقيقي أطيب الثمرات، ولهذا فلكل فرد حق في العمل حتى لا يبقى مستهلكا فقط، وثقلا على كاهل الجماعة، ويبين تاريخ الأحداث القديمة والجديدة أن المجتمعات اليقظة والعاملة والمحافظة على التكافل بين أفرادها، تكون قوية منيعة، بينما المجتمعات الخاملة والمتواكلة، والمنتظرة للمعجزات، والتأويل الأسطوري للحقائق، تبقى تراوح مكانها في ضعف وتفكك بجانب الركب التقدمي السائر بسرعة فائقة تاركا وراءه أصحاب الحنين إلى ما حدث من قبل، وخلال أزمنة ذهبت.

وإذا كانت الأنظمة الوضعية تقصر التكافل على الألبسة والأغذية والأفرشة، فإن الإسلام يتجاوز هذه المظاهر إلى المعاني، حيث التضامن في مسيرة الحياة تضامنا مفعما بالرأفة والرحمة والأخوة بين المسلمين، سواء أكان هذا في نطاق الأسرة أم البيئة أم المجتمع، وعلينا أن ننسجم مع ما يوحي به العقل، والنقل بخصوص دعم التكافل الاجتماعي، حتى تنمحي من واقعنا المشاهد الشاذة والمرعبة من قوم شواذ منحرفين، إنه موضوع من الموضوعات في أوضاعنا الحاضرة.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى