مصرف السلام الجزائر .. خدمات بنكية أصيلة
كلمة الرئيس

عيد النصر بين ساعات العسر واليسر

أ.د. عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين

كلما أظلنا اليوم التاسع عشر من مارس إلا وتعود بي الذكرى إلى منطلق تاريخ هذا اليوم، إلى عام 1962.
ففي هذه السنة، عادت بي الذكريات إلى نصف قرن خلا من الزمن أي في التاسع عشر من شهر مارس 1962، ذلك اليوم الربيعي المشمس الذي بزغ فجره عن شمس ذهبية، مبشرة ببدء يوم جديد خلعنا فيه لباس الخوف والقمع ولبسنا شعار الأمل، في عهد جديد قطعنا فيه الصلة بليل مظلم حالك السواد.

وبالرغم من أن فلول الاستعمار الغاشم ممثلة في العصابات الإرهابية بزعامة منظمة الجيش السري الفرنسي (L’OAS)، الذي أبى إلاّ أن يُشوّه فرحة الانتصار، بمواصلة زرع الخراب والدمار، وسط المدنيين العزل الأحرار، إلاّ أن كل هذا لم يفت في عضد شعبنا الذي كان محصّنا بمصل الصبر والمقاومة.
انطلق شعبنا منذ ذلك اليوم في مرحلة البناء والتشييد، وبناء الوطن الجديد على أساس الوئام، والوحدة والتجديد.
كان يوم التاسع عشر من مارس هو المقدمة السليمة، ليوم الخامس من يوليو، الذي جسد بالاستفتاء عهد الاستقلال وإعادة البناء.
كان الوطن مثخنا بالجراح، مضعضعا في كل الميادين والبطاح، وهو ما ضاعف من عزم وإرادة المواطنين والمواطنات الأقحاح.
وككل تجربة رائدة انطلقت الجزائر، تضمد جراحها، وتلملم أتراحها، وتبني على قواعد المجد والعز أفراحها، فكان في تجربتها الإيجابي وهو الكثير، ولكن كان فيها السلبي، وهو العسير والخطير.
فمن آثار الاستعمار التخريبية، هدم العقل وتحطيم الهوية، وبدل أن تقوم الجزائر بإعطاء الأولوية لبناء الذات المتأصلة الواعية بكينونتها وأصالتها لتكون صمام الأمان في كل بنيان، أغفلت هذا الجانب الأساس، فتضعضعت بذلك حياة الناس، وعاد الاستعمار الوسواس الخناس، إلى عقول وضمائر بعض الأرجاس فعاثوا فسادا، وقلبوا البناء من الأساس.
واليوم وبعد نصف قرن من إعلان الانتصار، على الاستعمار الغدار، ألا يحق لنا، أن نقيّم التجربة، بيسرها وعسرها ونستنتج ما حل بالدار؟
لئن كنا نسجل بمداد العز والفخار، بقاء العلم مرفرفا فوق السطوح، وأمام الأنظار، ولئن كنا نشاهد الموقف المشرف، من قضايا المستضعفين والظلمة الفجار، بالإضافة إلى تأميم المحروقات، وبناء العمارات الشاهقات، فإنه يحزّ في قلوبنا، أن نسجل بكل مرارة، تقهقر بناء العقول، واهتزاز الانتماء إلى الأصول، والتهديد بما بناه الفحول من وحدة الوطن على الثوابت من الأصول.
فإن من علامات قيام الساعة في الجزائر، أن نشهد من يجاهر بجريمة الخروج عن قدسية الوحدة الوطنية، والتبجح بتفضيل اللغة الأجنبية على اللغة الوطنية.
كما أن من نقاط الضعف في تجربتنا مشاهدة من يلقي بنفسه في عمق البحار، من أبنائنا الصغار، ليتلقفه الحوت بعيدا عن الديار.
فقد ابتلينا بشرذمة من العصابة نصّابة نهّابة، عاثت في الأرض الطيبة فسادا، دون وازع أو رقابة، هكذا حولت البلاد خرابا يبابا.
فالبحبوحة المالية التي عشناها في ظل ارتفاع أسعار النفط، كانت كفيلة بأن تجعل من الجزائر، بدل جزائر الوقواق، جزائر المدينة الفاضلة، حيث ينعم كل مواطن، وكل مواطنة بمستوى الحياة الأفضل من رواندا، ومن اثيوبيا، ومن الدول التي كنا نحسبها في عداد الدول المتخلفة.
ولكم أن تقارنوا بين دخل الفرد في هذه الدول ودخل الفرد في الجزائر.
فكم يتقاضى الأستاذ الجامعي في الجزائر اليوم، وكم يتقاضى زميله في أي بلد عربي؟
وما هي منحة السفر للمواطن الجزائري عند مغادرته لبلده إلى الخارج، والمواطن العربي الآخر؟
فكيف نريد أن نحافظ على المثقف الجزائري، ونغضب عندما نرى المآت من الأطباء، وغيرهم يهجرون في عز الأزمة الصعبة، بلدهم، إلى بلد أجنبي آخر؟
كنا في يوم عيد النصر، عام 1962 نمني النفس، بأن تربط كل المناطق الجزائرية بشبكة مواصلات تمتد من مغنية إلى تمنراست، وبقطار سريع يهزم القفار والبحار، وطول الانتظار، ليخفف معاناة الأسفار.
ويبعث الجزائر في رحلة التنمية عبر كل الأقطار لكن ما راعنا إلا والجزائر لا تزال تستخدم الجمال والحمير، وتتخلف عن الدول المتقدمة بشوط كبير.
فهل تجدى اليوم مواكب النصر، وهي تعزف الأناشيد، وتتغنى بمآثر المجاهد والشهيد وتكتفي بالشعارات ولبس الجديد؟
إن الجزائر الجديدة التي ترفع اليوم شعارها، مدعوة إلى النهوض من كبوة سقطة العصابة، ومطلوب منها أن تجدد النظرة إلى معالجة الأمور، وكيفية اختيار من يصلحون للنيابة، ليؤدوا الأمانة بكل وعي ورقابة وإنابة.
ليذكر الجميع، قوافل الشهداء والعلماء، والصلحاء، الذين بذلوا النفس والدماء، لتحقيق العزة، والكرامة والنماء.
إن أرواح هؤلاء جميعا، تسائلنا عما نحن فاعلون بالإرث الذي ورثناه، فلنحرص على أن نكون في مستواه؟ اللهم إني قد بلغت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى