مصرف السلام الجزائر .. خدمات بنكية أصيلة
كلمة الرئيس

خطاب إلى أصدقائي الثلاثة الشهداء

بقلم أ.د. عبد الرزاق قسوم

أنتم رموز ونماذج مليونية الشهداء، التي نحيي ذكراها اليوم، في عيد الشهيد. فقد انقضت السنون، وفي القلب منكم لوعة، وفي العين عليكم دمعة، وفي العقل من معاني جهادكم واستشهادكم روعة.
إنكم –يا أصدقائي- تمثلون الطهر والصفاء، والنبل والإباء، والتضحية والفداء، لذلك أسرى بكم ربكم إلى العلياء، وأسكنكم جنة عرضها السماء، كما أسرى بسيد الأنبياء؛ في ليلة المعراج والإسراء.

فأصدقائي الشهداء الثلاثة، تربطني بهم أواصر إخاء، أبرزها الوفاء، فقد نشأنا جميعا في فيافي الصحراء، التي تنبض بالعطاء، وتفيض بالفداء، وتقدم للجميع معاني التضحية والسخاء.
منكم –يا أصدقائي- نستلهم في يوم الشهيد الطيب الأثر، المواعظ والعبر، وخصوصيات المبتدإ والخبر، ليكون قدوة لكل بني البشر.
فدمتم كواكب مضيئة، وأنفسا سباقة إلى الخير جريئة، ونماذج طهر وجهاد بريئة.
أول أصدقائي الشهداء الثلاثة، محمد شهرة، ابن المغير، هذا الشاب المثقف، الذي يفيض حيوية ونماء، ويتقد حماسا وذكاء، وينبض وطنية وفداء، نشأنا في المدرسة القرآنية نتعبد بكتاب الله، حفظا وأداء، ثم انتقلنا إلى المدرسة العربية الإصلاحية فكان شيخنا محمد بن عبد الرحمن المسعدي مثلنا، علما، وسلوكا، واقتداء.
وعندما يممنا شطر معهد عبد الحميد بن باديس بقسنطينة، كنا نتقاسم الغذاء، والهواء، والكساء، وبذلك توطدت عرى الأخوة، والمحبة، والصداقة، بيننا فكان الطموح إلى خدمة الوطن المكبل وتحريره من القيود، غايتنا ومقصدنا.
طوحت بنا الأقدار بعد ذلك، فانتقلت أنا إلى الجزائر، وذهب هو إلى فرنسا، ثم ما لبث أن عاد من فرنسا، إلى المغير، ومنها إلى الجبل، ثم إلى تونس، ومن تونس كتب إلي محمد شهرة، ليبثّني شكواه، مما يلاقيه، وأعلمني بقراره البقاء في تونس لتكملة دراسته، فانقطعت أخباره عني، وعلمت بعد ذلك، أن الواجب الوطني دعاه إلى العودة إلى الجبل، لاستئناف نضاله المسلح، حتى جاءني نعي استشهاده، في ساحة الشرف.
كان صديقي الشهيد محمد شهرة، مشروعا ثقافيا وطنيا لم يكتمل، وكاتبا أديبا لم يستقل، تشهد له على ذلك، كتاباته الواعدة في جريدة البصائر، غير أن الله اختاره لما هو أفضل فبوأه «مقعد صدق عند مليك مقتدر».
أما ثاني أصدقائي، فهو الشهيد البشير بن رابح، ابن سيدي خليل بالمغير، هذا الشاب الأسمر الزيتوني، المرح، ذو الثغر المبتسم، واللسان الأدبي الملتزم.
عرفت الشهيد البشير بن رابح، عندما كان طالبا زيتونيا، يدرس مع أخي الزيتوني إبراهيم قسوم رحمه الله، فكان يأتي أحيانا إلى بيتنا ليلتقي مع أخي، ومع بعض زملائه الزيتونيين من أبناء المغير، كالشيخ الأزهري ثابت، والشيخ إبراهيم بوحنيك، والشهيد احمد بوزقاق والشيخ الحسن الصايم، وغيرهم..
غير أن الصداقة بيني وبين الشهيد البشير بن رابح قد تكونت وتوطدت في الجزائر العاصمة، عندما كان هو يعلم في مدرسة الهداية بالقبة، وكنت أنا أعلم بمدرسة السنّية ببئر مراد رايس، ولينضم إلى علاقتنا، ثالث الأصدقاء، وهو الشهيد محمد الأخضر الأخضري السائحي، الذي سأتحدث عنه بعد قليل.
إن الشهيد البشير بن رابح كان يتميز هو الآخر بمناوءته للإستعمار الفرنسي، وهو صاحب المقولة: «إنهم يكيدون كيدا، ونكيد كيدا».
كنا نلتقي ثلاثتنا بانتظام، حتى باغتني ذات يوم، بأن طلب مني أن نبيت مع بعضنا، في فندق الحمامات بوسط العاصمة وأن هذا اللقاء سيكون لقاء وداع، لأنه حصل على تعيين من جمعية العلماء في إحدى مدارس الجمعية بمنطقة القبائل واتخاذ ذلك التعيين ذريعة للالتحاق بالجهاد.. انقطعت أخباره إلى أن جاءني نعي استشهاده ذات يوم؛ فعلمت أن الله قد ادخره ليكون في جواره مع الصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.
أما الصديق الشهيد الثالث، فهو الأخ محمد الأخضري السائحي ابن واحة الطيبات الصحراوية، وخريج الزيتونة، والأديب الأريب، والمجاهد الحبيب.
عرفت هذا الصديق في مدينة الجزائر بواسطة الشهيد البشير بن رابح، فكنا نلتقي بانتظام وكان هو متحملا لمسؤولية في التنظيم الجهادي، كما كان يعلم بمدرسة الصباح بحي القصبة.
اختبرني ذات يوم بأن وضع وثيقة سرية هامة، في غلاف أسطوانة أغان فرنسية وطلب مني أن أعطيها إياه في البريد المركزي، متخطيا بذلك جموع الفرنسيين الذين كانوا ينتشرون كالذباب، وعندما سلمته الأمانة تهلل وجهه، وفرح فرحا شديدا ومن ذلك اليوم، أصبح يكلفني ببعض المهام.
وعندما قرر الالتحاق بالجبل، كلفني بأن أغطي انسحابه من المدرسة، بالتعليم بدله حتى لا يشعر أحد بذلك.
وترقى شهيدنا في سلم الرقي العسكري، فأصبح محافظا سياسيا بالولاية الرابعة، يعرف باسم الرائد المختار. وقد حدثني عن فضائله المجاهد الأخضر بورقعة رحمه الله فأشاد بخصاله، ومواقفه.
هذه إذن يا إخوتي، قصة الرموز الثلاثة من أصدقائي الشهداء، الذين أحببت أن أخلّد مآثرهم، في ذكرى يوم الشهيد. فقد كانوا مثلنا يحبون الحياة، ويتحلون بالآمال والأماني، ولكنهم ضحوا بآمالهم وأمانيهم الخاصة من أجل تحقيق أمل الوطن المقدس، فتحية إجلال ووفاء إليهم وإلى كل الشهداء، في يوم الشهيد:
– متّ لكنّي بموتي
– وفنائي قد حييت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى