مصرف السلام الجزائر .. خدمات بنكية أصيلة
كلمة الرئيس

الوجود الصهيوني في إفريقيا بين التعليق والتطليق

بقلم أ.د عبد الرزاق قسوم

خاب أمل العقل الإفريقي الحكيم، وفشل في فك المعادلة الصهيونية الإفريقية، القائمة على المخادنة التي لا يقرها دين، ولا يقبل بها عرف، ولا يسندها قانون.
فالفكر الصهيوني في إفريقيا فكر دخيل على القارة، غريب عن قيمها وأخلاقها، تسلل إليها من a الاسترقاق والاسترزاق، ولكن الغريب في الأمر أن بعض رؤساء إفريقيا، يحاولون أن يوطدوا لهذا الفكر النشاز أكناف البيت، فهم يفتحون له الحدود، ويمنونه بالوعود، ويعترفون له بالوجود.

وعهدنا بإفريقيا، منذ عهد منظمة الوحدة الإفريقية، أنها سائرة في طريق التحرر، وأنها تخلع عنها عباءة الذل، التي ألبسها إياها عهد التكبر والتجبر.
فقد أنجبت إفريقيا في عصر استقلالها أبناء كان لهم الفضل في محاربة الاستعمار من أمثال هواري بومدين، وجمال عبد الناصر، وكوامي نيكروما، وأحمد سيكوتوري، وباتريس لومومبا، وغيرهم، وما أكثرهم ممن قضى نحبه، وممن ينتظر وما بدلوا تبديلا.
لقد فتحنا أعيننا وعقولنا على المارد الإفريقي، وهو يرفع شعار خلع عباءة الاستعمار بنوعيه القديم والجديد، وشعار التوعية بالانتماء إلى إفريقيا الحرة.
لقد تغنينا مع شاعر السودان محمد الفيتوري وهو يبعث بهذه الأنات:
جبهة العبد، ونعل السيد  وأنين الأسود المضطهد
وحكايات قرون قد مضت  لم أعد أقبلها، لم أعد
****
كيف يستعبد أرض أبيض؟  كيف يستعبد أمسي وغدي؟
كيف يخبو عمري في سجته  وجدار السجن من صنع يدي؟
فكيف خلف من بعد هؤلاء العمالقة من تخول له نفسه، أن يفتح بيته، لصهيوني ملطخة يده بدماء الأبرياء من الفلسطينيين؟
وهل من الديمقراطية والعدل اللذين تتوق إليهما الجماهير الإفريقية، أن يبرم مسؤول إفريقي اتفاقية قبول كيان لا مكان له –من حيث الشرعية- في العالم، ويمنحه صفة مراقب، داخل الاتحاد الإفريقي الذي لا تربطه بأهله خارطة حدود، ولا سحنة لون أو وجود؟
إن الأمور قد انتكست في إفريقيتنا، فصارت تسير بالمقلوب، وتتطور عكس ما هو مرغوب، ونحمد الله أنه ما يزال في إفريقيا عرق نابض بالحرية، والكرامة، وإثبات الشخصية، فنصبوا الكمين لهذا العدوان الغاشم، وأنقذوا قارتنا من غدره القائم.
لقد اهتدى رؤساء الاتحاد الإفريقي في لقائهم الحاسم، إلى اتخاذ ما يمكن اعتباره إنقاذ ماء الوجه، وهو التعليق، أي الحيلولة مؤقتا، أمام الكيان الصهيوني، ليجد له موطن قدم، داخل محفل لا ناقة له فيه ولا جمل.
غير أن المحلل المدقق، والملاحظ المعمق يدرك أن هذا القرار، قرار التعليق لا يعني الانفصال الكامل والتطليق، فقد تُرك للعدو بصيصا من الأمل من خلال التعليق، وهو أنه إجراء مؤقت، وقد يتغلب –لاقدر الله- عرّابو التطبيع على الأصلاء الأفارقة الأحرار، بإعادة بحث الموضوع في القمة القادمة والنكوص إلى التحقيق والتصديق بدل التعليق والتطليق.
كنا نؤمل، أن اللقاء الذي انعقد منذ أيام في أديس أبابا، سيكون حاسما في هذه القضية، فيعلنها بصوت عال لا مواربة فيه، أن التطليق البائن هو الحل الأمثل لإغلاق الباب الإفريقي في وجه الصهيوني، ولكن ما راعنا، إلا الاكتفاء بالتعليق وإسناد مهمة البث في القضية إلى لجنة رئاسية سباعية، تكلف بتقديم مقترح بهذا الخصوص، إلى مؤتمر القمة القادم.
ولئن كنا نسلم بأن القضية محسوم فيها نظريا، لأنها قضية حق انتصر وسينتصر على الباطل، لكن من يدري، فالصهيونية لا تتحرك بمفردها، فهناك القوى العظمى التي تسندها بالمال والعتاد، فتغري البعض بذلك، وتسيل لعابهم أمام الأورو والدولار، فيقدمون على تخريب الديار.
إن الدور القادم سيكون ملقى على الجماهير الإفريقية، بقيادة النخبة الواعية فيها، لتسد الأبواب نهائيا أمام التسلل الصهيوني الخطير، وأن يدركوا جميعا أن تمكين هذا الأخطبوط حتى من مفحط قطاة من أراضيهم، هو اعتداء على الأفارقة جميعا.
فيا أبناء وبنات إفريقيا !
إن القارة الإفريقية، قد ألقت إليكم بمقاليدها كي تحصنوها ضد الغزو، والعدوان، وتحموها من محاولات الانسلاب والذوبان، فالمطلوب من المعلّم الإفريقي، والإمام أو القس الإفريقي، ومن رجل القانون، ومن رجل الأعمال، ومن كل مواطن أو مواطنة، فضلا عن الساسة، مطلوب من هؤلاء جميعا أن يكونوا خير حماة الديار، من هذا النوع الجديد من التتار.
كفى ما عانته إفريقيا من ذل واستعباد، وكفى ما أصابها من جوع، وشقاء، واضطهاد.
فلا مجال بعد كل هذا لأنصاف الحلول، يجب تجاوز مفهوم التعليق، والتحقيق إلى مفهوم التطليق، والتضييق والتصديق، فإفريقيتي لي لا للأجنبي المعتدي، كما يقول شاعر السودان محمد الفيتوري.
إن التاريخ قد فتح صفحاته، فحذار أن يسجل فيها صفحة أخرى من صفحات التطبيع والعار، فتلك هي لغة الصِّغار والكبار التي ستحدد في قارتنا الصَّغار والشنار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى