فتاوى مكتوبة
متداول

يُصَلَّى على السقط إذا استهل، من أولاد الرجل المسلم، ولو كانت أم السقط كتابية.

الشيخ محمد مكركب أبران
Oulamas.fetwa@gmail.com/

الســـــؤال
قال السائل وهو رجل مسلم: إنه تزوج امرأة كتابية فحملت منه ولما ولدت استهل المولود صارخا ثم مات قبل أن يأكل شيئا، فغسله، وكفنه، ثم هَمَّ ليصلي عليه، فاعترض عليه أحد الحاضرين، بأن الصلاة على من أمه غير مسلمة لا تصح حتى يبلغ! قال تركته وذهبت إلى إمام المسجد المجاور فسألت، فقال لي تصح الصلاة على المولود إذا استهل بل الواجب أن يُصَلَّى عليه، قال السائل، فما هو الحكم الشرعي؟ وهل في الصلاة على الجنازة خصوصية للصلاة على الطفل؟

الجـــــــــواب
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله.
أولا: الأصل أن كل وَلَدٍ يولد مسلما، لأن هذه هي الفطرة البشرية التي خلق الله الخلق عليها، ثم إن كل مسلم ولد حيا يغسل ويكفن ويصلى عليه، والعلامة في أنه ولد حيا، كأن يلتقم ثدي أمه ليرضع، أو يصرخ، أو يعطس، فإن كان والده مسلما تأكد ذلك بالفطرة والنسب. وإذن فالسقط من ولد الرجل المسلم إذا استهل يُغَسَّلُ، ويكفن، ويصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين، ويرث ويورث إذا استهل،. قال الله تعالى:﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾(الروم:30) فالله تبارك وتعالى خلق الناس على الإسلام، فإذا وُلِدَ المولود في البيئة المسلمة فيضل مسلما حنيفا بالفطرة، وإن ولد في بيئة غير مسلمة وكان أبواه غير مسلمين فإنهما يُضِلَّانه عن الإسلام. ففي الحديث [مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ] (البخاري.1358.ومسلم: 2658) وفي شرح النووي لصحيح مسلم.{أَجْمَعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُكَلَّفًا.. وبعد كلام عن شرح الحديث، قال: {وَالْأَصَحُّ مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ مُتَهَيِّئًا لِلْإِسْلَامِ فَمَنْ كَانَ أَبَوَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا اسْتَمَرَّ عَلَى الْإِسْلَامِ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا} (16/208) والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم.
وفي الحديث أيضا. [أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ، مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا، كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا] (مسلم.2865) ومعنى حنفاء: مسلمين موحدين منيبين إلى خالقهم. والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم.
ثانيا: ورد في الحديث الجواب الصريح من رسول الله صلى الله عليه وسلم. عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:[إِذَا اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ، صُلِّيَ عَلَيْهِ وَوُرِثَ](ابن ماجة.1508) وعَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: [لَا يُوَرَّثُ الْمَوْلُودُ حَتَّى يَسْتَهِلَّ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ حَتَّى يَسْتَهِلَّ، فَإِذَا اسْتَهَلَّ، صُلِّيَ عَلَيْهِ وَوُرِّثَ، وَكُمِّلَتِ الدِّيَةُ] (سنن الدارمي:3174) (وانظر ابن ماجة:1508).
ثالثا: نقول للسائل: ها قد علمت أن ما أفتاك به إمام المسجد فهو الصحيح،. وأن النصيحة لمن اعترضوا عليك، وقالوا لك: لا تصح الصلاة على المولود وإن استهل حتى يبلغ، فقد أخطأوا، وعليه فالواجب على العامة أن لا يخوضوا في المسائل التي لم يكلفوا بها. والقاعدة في منطق المعاملات أن المسلم غير المكلف بالقضاء أو بالإفتاء، أو بالحسبة، لا يجوز له الخوض بالقول في الأحكام الشرعية ولا في الأمر والنهي، ولا يجوز له نشر أو ترويج ما لا يعلم، ولا في نقل ما هو فوق قدرته، حتى لا يفتن نفسه، ولاينشر الفتن بين المسلمين، ومن حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه، وإنما العامي يتعلم ليعمل هو نفسه مع نفسه، لا ليعلم غيره بما لا يستطيع تبليغه. والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم.
رابعا: وفي الخبر: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: يُصَلَّى عَلَى كُلِّ مَوْلُودٍ مُتَوَفًّى، وَإِنْ كَانَ لِغَيَّةٍ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِطْرَةِ الإِسْلاَمِ، يَدَّعِي أَبَوَاهُ الإِسْلاَمَ، أَوْ أَبُوهُ خَاصَّةً، وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ عَلَى غَيْرِ الإِسْلاَمِ، إِذَا اسْتَهَلَّ صَارِخًا صُلِّيَ عَلَيْهِ، وَلاَ يُصَلَّى عَلَى مَنْ لاَ يَسْتَهِلُّ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سِقْطٌ] (البخاري:1358).
خامسا: قال السائل: (وهل في الصلاة على الجنازة خُصُوصِيَةٌ للصلاة على الطفل؟) ورد في كتاب الجنائز في صحيح البخاري. في باب قراءة فاتحة الكتاب على الجنازة. قال: وقال الحسن (يعني الحسن البصري):{يقرأ على الطفل بفاتحة الكتاب ويقول: اللهم اجعله لنا فرطا وسلفا وأجرا} (الفرط) هو الذي يتقدم الواردين فيهيء لهم المنزل. ومعنى:(سلفا) أي: سابقا يسبقنا إلى الجنة من أجلنا. ومعنى:(أجرا) أي اجعله سببا للثواب على صبرنا في مصيبتنا. وفي الموطأ: عن سعيد بن المسيب قال: صليت وراء أبي هريرة على صبي لم يعمل خطيئة قط فسمعته يقول: {اللهم أعذه من عذاب القبر} (1/228) وفي المغني لابن قدامة:{وَيُسِرُّ الْقِرَاءَةَ وَالدُّعَاءَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ ولَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ خِلَافًا} (2/363. 1558) وفي المغني أيضا:{قال: وإن كان الميت طفلا، جعل مكان الاستغفار له: اللهم اجعله فرطا لوالديه، وذخرا وسلفا وأجرا، اللهم ثقل به موازينهما، وأعظم به أجورهما، اللهم اجعله في كفالة إبراهيم وألحقه بصالح سلف المؤمنين، وأجره برحمتك من عذاب الجحيم، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، اللهم اغفر لأسلافنا وأفراطنا ومن سبقنا بالإيمان. ثم قال: ونحو ذلك وبأي شيء دعا مما ذكرنا أو نحوه أجزأه وليس فيه شيء موقت} وفي شرح السنة للبغوي (الفقرة:1495. 5/356) هذا والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى