الحدث

هل تؤدي هزيمة ترامب الانتخابية إلى نهاية الظاهرة الترامبية؟

بقلم عبد الحميد عبدوس

شكل وصول دونالد ترامب الملياردير القادم من دنيا المال والعقارات إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية بعد فوزه بالانتخابات الرئاسية في 3 نوفمبر2016  وأدائه اليمين الدستورية في جانفي2017م مفاجأة كبرى وربما صدمة مريرة للكثير من الأمريكيين وللمتابعين للشأن الأمريكي، وبعد هزيمته الكبيرة في الانتخابات الرئاسية التي جرت في 3نوفمبر 2020، مازال تشبثه بمنصب الرئاسة بادعائه الفوز في الانتخابات وإصراره على مواصلة عروضه الغرائبية في حلبة السيرك السياسي الصاخب استهجان وسخرية العالم.

من الملفت للانتباه أن الغرائبية السياسية التي تمخضت عن انتخاب دونالد ترامب، في 2016 كانت قد أثيرت في مسلسل كارتوني كوميدي بعنوان: “عائلة سيمبسون” حيث تنبأت إحدى حلقات المسلسل الشهير بأن يصبح دونالد ترامب، رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية، واعتبر كاتب هذه الحلقة أن تقلد الملياردير ترامب لأهم منصب في العالم الكوكب، جاء في إطار كتابة قصة عن “حالة الجنون التي ستنتاب أميركا”.

الغرابة أن دونالد ترامب جاء إلى هذا المنصب السياسي الرفيع من خارج مؤسسة الحكم الأمريكية، ولم يسبق له التفرغ للعمل السياسي، بل لم يكن حتى عضواً في الحزب الجمهوري الذي ترشَّح باسمه، وخلال تربعه على عرش البيت الأبيض لم يشكل هو ولا أعضاء إدارته ـباستثناء شخصيات قليلة سرعان ما تخلص منها ـ مجموعة عباقرة أو أشخاص موهوبون ممن يمكن أن يغيروا وجه التاريخ، فهم لم يظهروا يوما رؤية استراتيجية متميزة أمريكيا، ولا قراءة عميقة للعلاقات والصراع الدولي وبنية النظام العالمي الجديد، كما قال الكاتب علاء الدين الخطيب، فقد اعتمد ترامب في تشكيل فريقه الحاكم على مجموعة من المليونيرات، رغم أنه طرح في برنامجه الاقتصادي رؤية اقتصادية تخالف التوجهات العامة لطبقة الأثرياء وأصحاب رؤوس الأموال، فهو لم يمثل مصالح الشركات الأمريكية الكبرى بتوجهاته الاقتصادية، وقد وقفت في وجهه أغلب كبريات وسائل الإعلام الأمريكي. بنى ترامب استراتيجيته الاقتصادية على مواجهة العولمة والعودة إلى “حماية الصناعة والمنتج المحلي”، ومحاولة تفكيك المؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية وعلى رأسها منظمة التجارة العالمية تحت شعار “أمريكا أولا” و”لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً”، وكان أكبر ضحايا سنوات حكمه الفقراء والمهمشون والمهاجرون، كما كان العرب والمسلمون، خصوصا الفلسطينيون والإيرانيون على رأس الأعداء الذين استهدفتهم سياسته الانتقامية، ورغم أن ترامب لم يكن مرشح اليهود أو الصهيونية المفضل، إذ وصلت نسبة اليهود الذين صوتوا لصالحه 23 بالمئة فقط من اليهود الأمريكيين، مقابل 71 بالمئة منهم انتخبوا هيلاري كلينتون، إلاّ أنّ ترامب قدم أنواع من الخدمات وأشكال الدعم المالي والعسكري والسياسي والدبلوماسي لإسرائيل وبالخصوص لليمين الإسرائيلي بزعامة بنيامين نتنياهو ما لم يقدمه رئيس أمريكي قبله لدولة الاحتلال الصهيوني وقد صرح بذلك في 2019: “إسرائيل لم يكن لديها صديق في البيت الأبيض أفضل مني، على عكس من سبقني، لقد أوفيت بوعودي”.

في المقابل صب دونالد ترامب جام حقده وبغضه على العرب والمسلمين، وكان من أوائل القرارات التي اتخذها بعد تنصيبه في منصبه الرئاسي إصدار أمر تنفيذي يحظر دخول رعايا عدد من الدول المسلمة اراضي الولايات المتحدة الأمريكية، كما اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة بلاده إليها … هذا التصرف صدر من  شخص حصل على ملايير الدولارات من الأموال رجال اعمال عرب ومسلمين من الإمارات والسعودية ، وفي سنة (2015) كشف الأمير السعودي الوليد بن طلال، أنه أنقذ  دونالد ترامب من الإفلاس مرتين، واصفا إياه بـ “الرجل السيء والناكر للمعروف”.

أدى وصول دونالد ترامب، رغم قدراته الفكرية المحدودة وإمكانياته السياسية المتواضعة، إلى سدّة الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية، أقوى وأغنى دولة في التاريخ البشري إلى تأسيس الظاهرة الترامبية التي جاءت  تعبيرا عن صعود اليمين الغربي المتطرف وغالبية ناخبي ترامب هم من البيض العنصريين ومن الانجيليين الصهاينة  الذين يؤيدونه بسبب توجهاته التمييزية تجاه غير البيض وغير المسيحيين، وقد أظهر استطلاع لشبكة سي إن إن (CNN) أن ناخبي ترامب لا يكترثون كثيرا حول خبراته إن كانت مناسبة للمنصب، أو حول مؤهلاته في اتخاذ القرار والحكم الصحيح كرئيس، بقدر أهمية أن يحدث تغييرا. هذا التغيير وفق هذه الفئة، هو التصدي لمشكلة الإرهاب والمهاجرين غير الشرعيين، ولا يهم غالبية هذه الفئة التحدي الاقتصادي أو المناخي أو السياسي الدولي، كما رحبت قيادات اليمين المتطرّف المعادية للمهاجرين والمسلمين في أوروبا بفوز دونالد ترامب بكرسي الرئاسة في أمريكا، حيث عبر غيرت ويلدرز زعيم حزب الحرية اليميني العنصري المتطرف في هولندا عن سعادته بفوز ترامب وكتب على تويتر، “الأميركيون يستعيدون بلدهم،. أما زعيمة الجبهة الوطنية في فرنسا مارين لوبان، المعادية للمهاجرين والمسلمين فقد كتبت بنفس المناسبة على تويتر، “تهانيّ للرئيس الجديد للولايات المتحدة، دونالد ترامب، وللشعب الأميركي.. الحر”.

ورغم كل الكتب والمقالات والآراء التي تناولت طريقة حكم ترامب بالنقد أو التشهير، ورغم كل المحاولات التي بذلت معه في الولايات المتحدة لدفعه إلى تعديل سلوكه من قبل عدد من المستشارين والوزراء النافذين، وحتى محاولة عزله من طرف البرلمان لم تفلح كلها في وضع حد لسلوكه الأرعن المخالف لتقاليد من سبقوه في قيادة الولايات المتحدة.

والسؤال المطروح هو ستؤدي الهزيمة الانتخابية لدونالد ترامب في الرئاسيات الأمريكية في 3نوفمبر 2020 إلى سقوط الظاهرة الترامبية، ونهاية الكابوس السياسي الذي عاشته أغلب شعوب العالم لمدة أربع سنوات، وتعود امريكا إلى التصالح مع قيمها؟.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى