أحداث وطنية ومحلية

لماذا أصبحت المدرسة شبحا مخيفا للكبار والصغار؟

بقلم أوحيدة علي – مؤلف ومفتش التعليم
2cd6ae4900000578-0-image-m-56_1443393994843
الكل يعلم أن المدرسة مؤسسة تربوية تعليمية لأطفال اليوم، رجال الغد، وبيئة تربوية مصفاة، أي تنتقي للأجيال السلوكات الحسنة، والأخلاق الفاضلة، والمعاملات الطيبة من جهة، وتبعدهم عن السلوكات الشاذة، والمعاملات السيئة، والظلم بأنواعه من جهة ثانية، وهي أيضا وسيلة لاستكمال دور الأسرة، وأداة لتصحيح الأخطاء الآتية من وسائل الإعلام، ودور الثقافة، وسلوكات الأفراد والجماعات في المجتمع…الخ.
فهذه الصورة المثالية اهتزت في المجتمع، واختفت من الواقع المعيشي وأصبحت المدرسة شبحا مخيفا للكبار والصغار، والدليل على هذا تؤكده الحقائق التالية:
1- إن الطفل الذي يتطلع شوقا إلى المدرسة، ويحبذ الذهاب إليها لأول مرة، ينفر منها بعد سنة أو سنوات، ويختلق الأعذار والمبررات للغياب عنها أو الهروب منها، وهذا دليل قاطع وبرهان ساطع على أنه لم يستطع التكيف مع بيئتها، والتأقلم مع جوّها، بسبب النظام السائد فيها، أو معاملات المعلم والأستاذ لهذا المتعلم أو لغيره من المتعلمين، أو الأداء أثناء تقديم الأنشطة، أداء فيه تحيز ومعاملة خاصة لفئة دون أخرى، فئة المجتهدين من بداية الحصة إلى نهايتها. ولهذا يصعب عليه مسايرة ومتابعة زملائه في القسم، فيصاب بالإحباط، والإحباط يدل على أن هناك عوائق تمنع إشباع حاجة هذا المتعلم، وهي الحاجة إلى التكيف الإيجابي مع هذا الوسط والنجاح فيه، وإذا فشل تظهر مشاكل عند هؤلاء المتعلمين لا تحصى منها: الغيابات المتكررة، الهروب، التدخين، السرقة، الاعتداء على زملائه، كره النشاط، ثم المعلم، ثم المؤسسة، ثم المجتمع بعد ذلك. وفي النهاية يتساءل المتسببون في هذه المشاكل، لماذا انحرف هذا الجيل؟ والسؤال الذي يفرض نفسه على الجميع: هل المختصون في التربية وعلم النفس وعلم الاجتماع وأصحاب الميدان تفطنوا إلى هذا الجانب المحوري في العملية التعليمية – التعلمية؟ أم أن هذا الأمر لا يهمهم ولا يعنيهم، لأنهم لا يدرون شيئا، ولا يشعرون بشيء؟
2- القرارات الارتجالية لإصلاحات تربوية مبهمة وغامضة ومجملة نزلت إلى الميدان كالصاعقة، لأنها انطلقت من فراغ، وهمشت أصحاب الميدان، وتوغلت في النظري، وجانبت الأداء الفعلي للمعلم والأستاذ داخل حجرة الدرس، لذلك ساد الارتجال، وغابت المراقبة والمتابعة والتوجيه، وانتشر التهاون والكسل بين الجميع، وبعد 13 سنة من التطبيق اكتشف الكل أن إصلاحات 2003 فاشلة، وضحك الأساتذة الأفاضل على إجابات الطلبة في بكالوريا 2016. في حين أن السبب المباشر يرجع إليهم وإلى إصلاحات 2003 التي طبل لها الجميع. ورغم هذه النتائج السلبية قررت وزيرة التربية (ابن غبريت) إصلاحات أخرى تحت تسمية (إصلاحات الجيل الثاني) منتهجة نفس الأسلوب والطريقة التي سارت عليها إصلاحات 2003، والسؤال: هل قيّمت الوزارة إصلاحات 2003 ميدانيا؟ هل استفادت من إيجابيات وسلبيات إصلاحات 2003؟ لا أدري…ولكن الكل أدرى، والكل صامت، والكل مؤيد..!..
3- قرارات شعبوية انتهجها (ابن بوزيد)، حيث صرح مرات ومرات في الجرائد وفي التلفزة أن الضرب ممنوع، ففهمه قصير النظر والمعتوهون من المثقفين وغيرهم من عامة الناس، أنه لا يحق للأستاذ أن يأمر المتعلم، أو يطلب منه عملا، أو يحاسبه إذا لم ينجز واجبا، بل أصبح ينطق بضمير المتكلم (أنا) في صياغة أسئلة الكتب المقررة…الخ، ولذا تغول الأبناء بتشجيع من الآباء، وتخلى الأستاذ عن دوره التوجيهي، فحلت الفوضى، واستأسد الطلبة وأصبحوا يضربون الأساتذة، بل يدخلونهم إلى المستشفيات كما حدث في متوسطة بالرويبة، حيث جاء في جريدة الخبر يوم 15/11/2016 ((تلميذ يدخل أستاذة حاملا المستشفى في الرويبة)، وجاء في نفس الصفحة أيضا (ثلاثة أشخاص اقتحموا ثانوية كلالشة بمدينة خميس الخشنة واعتدوا على أستاذ الرياضة). أما ما حدث في متوسطة شوالب الدراجي 14 بالمدينة الجديدة علي منجلي من هلع وخوف داخل المؤسسة فقد فضح الواقع المر كما جاء في جريدة الخبر 19/11/2016، والسؤال: هل أصبحت المؤسسات التربوية بيئات آمنة للكبار والصغار؟ أم شبحا مخيفا لهم؟
وإذا كان الأمر غير هذا فبماذا نفسر العنف داخل المؤسسات التربوية بين الطلبة والأساتذة؟ وبماذا نبرر هروب المعلمين والأساتذة من المهنة عن طريق التقاعد المسبق؟ وبماذا نعلل تكتل النقابات ضد إلغاء التقاعد المسبق؟ ألا نعتبر هذا هروبا للكبار من شبح مخيف، شبح المدرسة التي أصبحت بيئة غير آمنة؟ والسؤال: هل يستطيع الأستاذ القيام بواجبه والعمل في راحة واطمئنان؟ وهل يستطيع هذا الأستاذ أو غيره أن يمنح نقاطا أقل من المعدل ؟ لا أدري ..! ولكن الكل يدري أن النقاط الممنوحة غير مستحقة من الابتدائي إلى الجامعة؟
فهذا هو الواقع ما دام الأستاذ غير محمي، ويشعر بالذل والهوان مِنْ مَنْ يعلم؟
4- أما القرارات التي ارتجلتها (ابن غبريت) فهي كثيرة منها: قرارات انتقال السنتين الأولى والثانية الابتدائيتين مهما كان مستواهم، فهذا القرار يسبب إحباطا للتلميذ، وضغوطا نفسية من المعلم وزملائه وأوليائه، ثم نتساءل عن تأخر وانحراف هذا التلميذ، والغريب في الأمر أن المختصين في التربية وعلم النفس أيدوا هذا القرار بحجج واهية ووهمية لا يقرها عقل ولا يوافقها منطق، كما سنت قرارا آخر ضربت به مصداقية السلطة البيداغوجية يقضي بإعادة كل تلميذ مطرود إلى مؤسسته، مهما كانت درجة خطئه…! ألا يمكن القول: إن هذا القرار يشجع العنف في المؤسسات التربوية، ويعطي الحماية للمنحرفين والمشاغبين، ويخالف قرار 178 الخاص بمجالس التأديب؟
5- إن فرض إصلاحات على أصحاب الميدان، وعدم تكوينهم تكوينا وظيفيا عمليا يساعدهم على تأدية رسالتهم المهنية، ويمكنهم من التحكم في النظام داخل حجرة الدرس، ويعيد إليهم الاحترام والتقدير، إصلاحات ساهمت هي أيضا في تدني مستوى التلاميذ والطلبة، وتأخر المدرسة، وظهور العنف داخلها وخارجها نتيجة توتر العلاقة بين الطالب وأستاذه، والسؤال ماذا يقول: خبراء التربية وعلم النفس في هذه الظاهرة، ظاهرة العنف؟
مما سبق يبدو لي أن نجاح المدرسة، وارتفاع المستوى فيها آمال بعيدة المنال، ما دامت الإصلاحات التربوية تنطلق من فراغ، ولا تعالج الاختلالات والسلبيات والأخطاء الإدارية والتربوية والتنظيمية، بل يستحيل النجاح في ظل بيئة غير آمنة ومخيفة للكبار والصغار.
فهذا رأي ومن يرى غيره فليرد ويوضح ويصحح وينتقد، لأن الجزائر أغلى وأسمى من السابقين والحاضرين واللاحقين.
* مؤلف ومفتش التعليم الابتدائي (سابقا)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى