حدث وتعليق

تقنية “التبرع بالميتاكوندريا” أو ميلاد أطفال من ثلاثة أشخاص.. ما رأي الدين الإسلامي؟؟ لمباركية نوّار ـ باتنة

من بعد تقنية “استئجار الأرحام” لعلاج صنف شائع من العقم، وهي التقنية التي أتبعت بسجالات حامية ولغط شديد، ظهرت منذ أشهر قليلة في مجال طب الولادات تقنية جديدة أطلق عليها تهذيبا اسم: “التبرع بالميتاكوندريا”. ولا تخلو هذه التسمية “اللطيفة” من براعة التستر وقوة التمويه للتسليم ببراءتها، وإيهام العقول وتعطيلها عن إمعان التفكير الدقيق والتعرض المفصل لمناقشة شتى جوانبها.
والميتاكوندريات Les mitochondries ، أي أجسام الطاقة هي عضيات des organites خلوية صغيرة، وذات مظهر خيطي، وتأخذ أشكالا هندسية مختلفة، وتسهم في استهلاك وتفكيك المغذيات المتسللة مع عناصر الدّم إلى أجواف الخلايا (السيتوبلازما: الجبلة Le cytoplasme)، واستصدار الطاقة منها؛ أي أنها تحوّل الطاقة المحمولة في الجزيئات الغذائية من طاقة كيميائية إلى طاقة حيوية يسهل على الخلايا استغلالها في إتمام وظائفها الحيوية من نمو وانقسام وحركة بروانية وطرح للفضلات وبناء… إلخ. ومن باب النمذجة والمحاكاة، يمكن تشبيه الميتاكوندريات ببطاريات توليد وتخزين الطاقة في مركبات كيميائية ثلاثية الفوسفات؛ لأن بقاءها الطاقة حرة يهدد حياة الخلية.
وكما هي العادة المرافقة لكل ابتكار جديد، فقد قوبلت هذه التقنية المستحدثة بتهليل ودعاية كبيرين غذاهما حماس أصحابها، وبُشر لها بأن ستكون مفيدة للقضاء على جملة من الإصابات المرضية التي يشكو منها بعض المواليد، وتتسبب في موتهم المبكر بسبب اضطرابات في المادة الوراثية الأساسية المحمولة في بُييضة L’ovule الأم.
يحتاج إجراء هذه التقنية إلى ثلاثة أشخاص: زوج وزوجة وامرأة ثانية متبرعة. ويمنح الزوج نطفته (الحيوان المنوي: الخلية الذكرية)، ويؤخذ من الزوجة بُييضة تجرد من ميتاكوندياتها عن آخرها للتخلص من عوامل الإصابة المرضية المميتة المحتملة، وتستبدل بميتاكونديات سليمة تنتزع من بُييضة امرأة أخرى تظل مجهولة؟؟. أي أن المادة الحية للبويضة الملقحة جمعت من ثلاث مصادر. وما يلاحظ عن هذه التقنية التي رمت إلى إصلاح خلل يقع مقره في الهيولى “السيتوبلازما” أنها لم تكن تجد الطريق ميسرا وسهلا لو كانت هذا الفساد لصيقا بعناصر النواة Le noyau؟؟.
وحسب ما تناقلته بعض المجلات المتخصصة والجرائد اليومية السيارة، فإن أول مولود نشأ من بعد تطبيق هذه التقنية أبصر النور في المكسيك في شهر أفريل الماضي على يد فريق طبي أمريكي متخصص، يشتغل في مركز “هوب الجديد للخصوبة Centre New Hope Fertility ” بمدينة نيويورك تحت قيادة الطبيب جون زانغ John ZHANG (يبدو وحسب المقطع الثاني من اسمه أنه لا ينحدر من أصول أمريكية؟؟). ومن المحتمل أن يكون الفريق الطبي قد فضل الاشتغال في المكسيك تجنبا لصرامة القانون في الولايات المتحدة الأمريكية، في حين أنه لا يوجد في المكسيك ما يحظر أمثال هذا العمل.
تعاني بعض الأمهات من عيوب قاهرة وفادحة في عضيات الميتاكونديا تورّث أحيانا إلى الأبناء، ومنها مرض يدعى بـ”متلازمة لاي Le syndrome de LEIGH”، وهو مرض وراثي قاتل. وكانت الأم الأردنية التي خضت للمعالجة بهذه التقنية قد فقدت اثنين من ولديها، وأجهضت أربع مرات. ويقر العلماء أن المولود الجديد الناشئ عن استعمال هذه التقنية لا يحمل سوى واحد في الألف من المادة الوراثية “الحمض النووي منقوص الأكسجين الميتاكوندري L’ADN mt” المستقدم من المتبرعة، وتبدو أن النسبة المصرح بها ضئيلة جدا. أما باقي الصفات الوراثية الأساسية كالطول ولون العينين وشكل الشعر فيحصل عليها المولود من الذخيرة الوراثية للأبوين.
لا شك أن الخبر سيسوق بشارة التطلع في اشرئباب وأعناق ممدودة إلى ولادة أطفال سليمين إلى كل قلوب الزوجات اللائي يعانين من هذا الإشكال الصحي المقلق الذي قد يكون سببا في اهتزاز العشرة الزوجية في بعض الأسر. ولكن هناك قضية ترتبط بالدين (أقصد الدين الإسلامي على وجه الخصوص) الذي يحرم اختلاط الأنساب حتى وإن كانت نسبة المادة الوراثية المستقدمة من المتبرعة منخفضة جدا، كما قيل، وهي أقل بكثير من الملح في الطعام.
من الثابت أن العضو الخلوي المسؤول على نقل الصفات الوراثية من الآباء إلى الأبناء هو النواة Le noyau. ومع مرور الوقت وتوالي الاكتشافات العلمية تبين، أيضا، أن بعض العضيات السابحة في سيتوبلازما الخلية، ومنها الميتاكوندريا، تساهم هي الأخرى في توريث بعض الصفات؛ مما يعني أنها تضم إلى تركيبها نوعا من أنواع الحمض النووي منقوص الأكسجين L’ADN mt. ومن هذه الملاحظات تولد مفهوم: “الوراثة السيتوبلازمية” التي يمكن متابعة أثرها في عالم النبات بشكل أوضح مقارنة بما يجري عند الحيوانات. ويلاحظ أن تركيب السيتوبلازما معرض للتبدل باستمرار نتيجة المغذيات التي تصله ولتتابع تفاعلاته الكيميائية في كل الخلايا الجسمية. وإذا كانت العوامل الوراثية التي تشتغل في النواة محمولة على الصبغيات، وهي محددة العدد والنوع، فإن السيتوبلازما تحتوي على عناصر مختلفة، وغير ثابتة عددا، ويمكن لعددها أن يزيد أو ينقص بحسب حاجة الخلية إليها والظروف التي تمر بها، ومنها الميتاكوندريات “أجسام الطاقة”. وإذا كانت الوراثة النووية (التي تتم عن طريق النواة) تخضع للقوانين الي سطرها العالم جريجور مندل في بداية القرن العشرين، فإن الوراثة السيتوبلازمية تجري بطريقة عشوائية، وتنفلت من عقال هذه القوانين.
ينفرد الدين الإسلامي بباب متمثل في الأخوة من الرضاعة، وهي أخوة يلتزم معها بما يفرض على الإخوة الحقيقيين في مجال النسب دون غيره من المجالات الاجتماعية الأخرى كالإرث وغيره. وتفاديا للمخاطر التي تقدم من الأخوة من الرضاعة، فقد حرّم إتمام الزواج بين كل من يكرعون من أثداء امرأة واحدة في فترة الرضاعة الأولى. وقام الفقهاء بتحديد عدد المصات التي يجري على إثرها هذا التحريم حفاظا على سلامة الأجسام من الأسقام والعلل.
تقف محاولة الطب هذه المرة، وكما في بعض المرات السابقة، أمام إشكال أخلاقي لا يفض إلا بمراجعة علماء دين يملكون ثقافة علمية رصينة في علوم الأحياء “البيولوجيا” وفي علوم الطب من أجل الإفتاء بمدى جواز ممارسة تقتية “التبرع بالميتاكوندريا” أو معارضتها ورفضها حتى وإن كانت الذريعة تتمثل في تمكين بويضة الزوجة الحامل من الاطمئنان على سلامة جنينها، وتخليص جسمه من مسببات الأمراض التي لا تسمح له بالعيش طويلا بعد ميلاده. ومن وجهة نظر بيولوجية بحتة، نستطيع القول أن المتبرعة هي شريك في تشكل الجنين ما دامت الوراثة السيتوبلازمية أمست أمرا ثابتا وحقيقة علمية مفروغا منها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى