قضايا الأمـــة

قضايا الشباب والمستقبل بين الدعوة القرآنية الأصيلة والمناهج التربوية العليلة

ما مدى مسئولية الشباب المنحرف؟ هل هي مسئولية الأسرة؟ أم مسئولية المدرسة؟ أم المؤسسات الأمنية والعدالة؟ أم المجتمع كله؟ الملاحظ على فئات وشرائح الشباب في جزئها التائه بين البطالة والتطرف والانحراف، أننا كعلماء ودعاة، وأننا كآباء وأمهات، وكمؤسسات أمن وإعلام، ومؤسسات إدارية وسياسية، لم نقم بواجبنا نحو شبابنا. لم نُحِطْهم بالعناية اللازمة، ولم نَكْتَنِفْهم بالرعاية الكافية، لم نعطهم حقهم من التربية والتعليم، ولا من التدريب والتكوين. ما معنى هذا؟ معنى هذا أننا أهملنا فئات كثيرة من الشباب، وظلمناهم عندما لم نقم بواجبنا نحوهم.
الهدف من معالجة هذا الموضوع؟ هو دراسة حال الشباب الذين يعانون فتنا كقطع الليل المظلم، بدءا من فتنة الأمية الفكرية، ونقص التكوين والثقافة القرآنية، وفتنة البطالة وسوء الاستثمار، وعجز أهل الدار وتطاول الكفار، وفتنة الضعف والتخلف التكنولوجي والتبعية للغير، وفتنة العري والاختلاط والخلاعة والمجون، وفتنة التنازع والانقسام، وفتنة المخدرات، والتدخين، والخمر، وفتنة الرشوة وبيع الضمير، وفساد كثير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي الكبير.
قضايا الشباب والمستقبل هو موضوع الدراسة الاستشرافية، لإخراج الأمة من واقعها المتخلف المتردي، وكسر القيود التي قيدت بها الأمةُ نفسَهَا، كقيود التقليد الأعمى لغير المسلمين، وقيود العجز الناتج عن العقد النفسية، وقيود العجز الاقتصادي، يضاف إلى هذه السلبيات المنظومات التربوية المريضة.
والإشكالية: هي أن هذا الشاب العاطل الذي لا هو في مؤسسات التعليم، ولا هو في حرفة، ولا هو مهيكل في أي مرفق من مرافق المجتمع، سواء كان في تمنراست أو في القالة، أو تيبازة أو العاصمة، أو تندوف، أو مغنية، أو في أي نقطة من التراب الوطني، فالسؤال: بأي منطق؟ وبأي وجهة نظر وفكر أننا نعلم حاله هكذا ونتركه في معاناته خارج دائرة الأمل والرعاية؟ فإذا كانت السلطات تعلم هذا الشباب الذي يعيش في الفراغ، وتتركهم بلا تكفل، فهو ظلم لهم وتلك مصيبة، وإن كانت السلطات لا تعلمهم، فالمصيبة أعظم.
قال محاوري: وما العمل إذن؟ أليس الشباب أنفسهم هم المسئولون عما هم فيه؟ أليس المطلوب من الشباب أن يتعلموا، ويبحثوا عن حرفة، كما فعل صاحب الحبل والطست والحصير؟ أليس المغامرون من الشباب هم الذين فعلوا بأنفسهم ما فعلوا من المغامرات؟سواء مع المخدرات، أو مع الحراقة، أو مع جماعات الحرابة؟
قلت: إن تبريرك هذا لرفع اللوم عن السلطات المسئولة وإلقاء اللوم على المنحرفين أنفسهم، يدل على العجز والتقصير، وهو علامة صارخة على ضعف التخطيط وسوء التسيير. نعم، لا يختلف اثنان عن كون الشاب المنحرف نفسه أنه مسئول ويلام، ولكن لومه قد ينفع في التنبيه للعلاج. إنما المسئول عن بداية المرض ليس هو الشاب المنحرف، إنما هو الأبوان، والمدرسة، والمؤسسات الإدارية، والأمنية، وسائر المجتمع.
فمن منطق الوعي السياسي والتربوي والاجتماعي في الاهتمام بقضايا الشباب والمستقبل، أن يقوم (على سبيل المثال) رئيس البلدية بإحصاء شامل كامل لشرائح الشباب على مستوى بلديته، وأن يَعْلَم حالةَ كل شاب؟ وكيف يعيش؟ وماذا يحتاج؟ وما الذي يعانيه؟ وأن يعقد في البداية أياما دراسية للتدريب والتكون والتوجيه بإشراف المرشدين العلماء. ثم هيكلة كل شاب في الموقع الذي يناسبه.
وما دامت السلطات لم تقم بهذا الواجب، فلتكن البداية من الأسرة أيها الآباء والأمهات، قلت: مادامت السلطات المسئولة إلى حد كتابة هذه الكلمات (أوت 2016م) أنها لم تقم بواجبها حق القيام.والله تبارك وتعالى فرض على الوالدين تربية الأولاد، وعلم لقمان الحكيم كيف يربي ويعلمُ أولاده تنبيها لنا.بل إن الله تعالى لم يكلفنا برعاية أولادنا فحسب، بل فرض علينا تربية وكفالة اليتامى، والأميين، والمحرومين ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾.
فماذا ننتظر من شاب لا نعلمه، وإذا لم يوفق ولم ينجح في شهادة تعليم المتوسط أو البكالوريا لتقصير منا، نطرده إلى الفراغ، إلى حيث يمضغ أحزانه، ويبتلع حسراته، وعندما يوجد متلبسا ببلاء المخدرات (التي تصنع مع الأسف في بلد عربي مسلم) نعاتبه، ويقيم الإعلام ومؤسسات الأمن ضجة تقيم الدنيا ولا تقعدها! مع أن الذين لم يقوموا بدورهم نحو هذا الشاب هم الذين يجب أن يوجهوا اللوم والعتاب لأنفسهم!
نعم إن الأبوين هما المسئولان على الولد، هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، ولكن من هو المسئول عن من لا أب له ولا أم؟ لذلك مثلما يقال للمسلم: إن تربية الأولاد تبدأ من حسن اختيار الأم.فكذلك يقال للسلطات: إن العناية بالشباب وحمايتهم من الانحراف تبدأ من فرض الرقابة الأخلاقية على الشباب، قبل الرقابة الأمنية، تبدأ رعاية الشباب من تنقية المجتمع من الموبقات التي توقع الشباب في المصائد الشيطانية، تنقية المجتمع من العري، في الشوارع، والأسواق، والشواطئ، ومن الأفلام والمسلسلات، وتنقية المجتمع من الخمر والمخدرات، والسؤال: هل يصعب علينا تطهير المجتمع من المنكرات التي حرمها الله تعالى؟ الجواب: لا يصعب علينا ذلك. هل نحن إذن متعمدون في ترك هذه الموبقات في طريق الشباب؟ أم أننا نجهلها؟ والقارئ يجيب. قال الله تعالى:﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا﴾ هل ربينا شبابنا وعلمناهم.
كلكم سمعتم قصة الشاب الذي دعاه الرسول صلى الله عليه وسلم وعلمه، كيف هداه الله واستقام. فمما رواه الإمام أحمد من حديث أبي أمامة قال:” إن فتى شابًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا. فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مَهْ مَهْ. فقال: [ادنه]. فدنا منه قريبًا. فقال [اجلس]. فجلس، قال: [أتحبه لأمك؟] قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: [ولا الناس يحبونه لأمهاتهم]. قال: [أفتحبه لابنتك؟] قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك. قال: [ولا الناس يحبونه لبناتهم]، قال: [أتحبه لأختك؟] قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: [ولا الناس يحبونه لأخواتهم]، قال: فوضع يده عليه وقال: [اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه] قال: فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء”. هل فهمنا كل الشباب هكذا كما علم الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الشاب؟.
فما هو المطلوب؟ المطلوب جمع كل الشباب وتكوينهم، والأخذ بأيديهم. فماذا تنتظرون؟
كلكم تذكرون استقامة وكمال خُلُق يوسفَ عليه السلام. أين يكمن السر، في كمال استقامة شبابه؟ في الآية:﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ. وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:21/22] وقلت: هل تذكرون هذا لمن يعيش مع القرآن ويقيم حياته بالقرآن أما الذين يهجرونه فلا يذكرون استقامة يوسف عليه السلام، ولا وصية محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن، ولا يعملون بها، ولا وصيته في الحديث الشريف.
أين مصلحة الشباب؟ هل قرأتم قصة هذا الشاب، أنتم أيها المسئولون على التربية والتعليم؟ ثم أنتم أيها الشباب:﴿وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ . أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾[الأحقاف:15/16].
إن الخلل في المناهج التربوية التي انحرفت عن منهاج القرآن، واتجهت تقليدا وانبهارا ومغالطة نحو المناهج التغريبية نحو انفتاح الإباحيات، وحرية الشهوات والمتشابهات، وغالط الكفار بدعوات بَرَّاقَة تحت عناوين مخادعة باسم التكنولوجية مرة، وباسم السلم ومحاربة العنف مرة أخرى، ولم يعلموا بأن ما دعا إليه الله تعالى في القرآن هو العلم وفيه كل ما يحتاجه الإنسان، من التكنولوجية والسلم.
دعوة أهل الكتاب إلى تربيتهم وتعليمهم ظاهره فيه العلوم والتكنولوجيا، وباطنه فيه سموم الإباحية وكفر النعمة ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾[البقرة: 110]. يجب أن نعلم أولادنا وطلبتنا في المدارس والجامعات الرياضيات والكيمياء والفيزياء والعلوم بالتربية القرآنية، أن نعلمهم العلوم الدقيقة، ولكن باللغة العربية والآيات القرآنية، هكذا تكون العناية بالشباب، يا أولي الألباب.
كيف نمكن للشباب بأن ينهض النهضة القوية المتزنة نحو بناء مستقبله؟ ومرة أخرى، بل ومرات، تعالوا لنجيب عن هذا السؤال الدقيق والصريح. هل نحن كأسرة (الأب والأم) وكمربين (وزارة ومعلمين) وكإدارة (بلدية وسائر الأجهزة الإدارية والأمنية) هل نحن لنا إرادة حقيقية في بناء جيل وطني مسلم يعبد الله ويصلح في الأرض ولا يفسد فيها، ويبني حضارة في مستوى {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}. والسؤال بصيغة أخرى هل نحن نريد بناء شباب صالح؟وبذلنا كل ما نعلم وأعددنا كل ما نقدر عليه ومع ذلك لم نستطع؟ أم أن هذا الانحراف الذي نراه ونسمع عنه في سلوك بعض الشباب أننا أردناه، وكان بإمكاننا منع وقوعه بإذن الله، ولكننا تركنا القيام بواجبنا عمدا؟ وتركنا الشباب يعاني الأمية الفكرية والبطالة الفوضوية، وبقي الشاب مع وساوسه التي تقول له: إن الحراقة أمامك، وأخطبوط المخدرات وراءك.فمن يوقظ هذا الشاب ويخرجه من سجن وساوسه ويقوده إلى أبواب الأمل، وطرق العمل، وهي كثيرة في بلده..الجواب المؤسف هو أنه كان بإمكاننا بإذن الله تعالى أن يكون شبابنا أقوى قوة شبابية، ولكننا تعمدنا إهماله، وسيحاسبنا الله تعالى على إهمال الواجب وتضييع الأمانة.
والدعوة إلى الاهتمام بقضايا الشباب والمستقبل، تشمل أيضا كل أولئك المتخرجين من الجامعات الذين يجب استقبالهم بكل رعاية وعناية، ومواصلة تكوينهم وفق تخصصاتهم وقدراتهم، واستثمارهم، الاستثمار الأمثل، بطرائق بيداغوجية مهنية وحرفية في مستوى أساليب ووسائل العصر. وتوظيفهم في المجال الصحيح الذي يعود على الوطن بالخير.بالوظائف والمهن والحرف المنتجة، لا بقروض الاستهلاك، واستيراد الأحذية والسراويل الممزقة من الصين!!.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق