تحاليل وآراء

الزجاجات الرقمية وسؤال الهوية- أ.د. أحمد محمود عيساوي

bcea743694f6b4094c2b94f20b5a9e23

من المسؤول عن الفوضى القيمية اليوم الفرد أم الوسائط؟
* معالم ومؤشرات الظاهرة:

يشهد العالم منذ مطالع الألفية الثالثة فوضى قيمية وأخلاقية وروحية وسلوكية لصالح التوجهات البوهيمية والممارسات الفوضوية المُنفلتة والمتحللة من الدين ومن كل القيم والمُثُلِ العليا، ولاسيما بعد انعتاق هذا الفرد الحداثي النَّهِمِ من كل القيود الكابحة لشهواته ولهوه ورغباته، وانغماسه في حالة ووضعية من الهوس الشهواني الاتصالي والإلكتروني المرضي، حيث أطلق العنان لنفسه تسرح في فضاءات العوالم الافتراضية الساحرة، دون أن يأبه أو يُعير الانتباه لأي رادع أو مانع أو مبرر ديني أو أخلاقي أو اجتماعي يمنعه من إشباع غرائزه الاتصالية التي فاقت كل الحدود والمستويات الطبيعية والضرورية للفرد السوي.

وقد دفع لمتابعة هذه الحالة المرضية الاتصالية التي آل إليها الفرد الحداثي اليوم طغيانها وتأثيرها وسيرها نحو فردنا ومجتمعنا العربي والإسلامي بكل تلقائية وطوعية واستسلام، هذا الفرد الذي بات هو الآخر – للأسف- مهووسا حد الإدمان المرضي لهثا وجريا نحو ممارسة الاتصال الشبكي إلى ما بعد حدود الإشباع والتشبع السوي والاعتيادي والضروري واللازم لاستمرار الحياة البشرية السوية، إلى مرحلة العَبِّ اللانهائي المُنهك للطاقة البشرية.

وقد تألمت وتأثرت وتعجبت كثيرا خلال متابعاتي العلمية والمنهجية والتحليلية لهذه الظاهرة الغريبة وهي تنتقل قسرا وطواعية نحو فردنا ومجتمعنا العربي والإسلامي دونما عناء أو جهد يُبذل من طرف المهيمن والغالب العالمي الوقتي، ودونما مقاومة أو ممانعة أصيلة تعتبر أو تُذكر في هذا السياق والمجال الحيوي العربي والإسلامي، مقابل ارتماءةٍ وعكوفٍ إلكتروني وشبكي حطم كل حدود المقدس وأسوار المُبجَّلِ لدى هذا الفرد اللين الهَيِّنِ والتابع للراهن الإلكتروني الوثني، ولاسيما بعد عمليات الاقتناء المجنونة لتلك المنجزات الإلكترونية، واستفحال ظاهرة التكديس الوسيلي لها، الذي فاق الحدود المطلوبة فزيولوجيا ونفسيا ومدنيا وحضاريا، مع اعتبارنا أن الحضارة لا تُبنى بالتكديس والتجميع والاقتناء والاستيراد، بل بالبناء والتفاعل والفاعلية.

وقد تنوع مصدر ألمي وعجبي وحيرتي زمانيا ومكانيا وكيانيا وإمكانيا، حيث تابعت الظاهرة ضمن سياقات وكيانات ونوعيات بشرية مختلفة من حيث الجنس والسن والثقافة واللغة والمستوى الاجتماعي والاقتصادي والحضاري، يَنْتَظِمُها كلها المقدس والمُبجل الإسلامي من الوحيين (الكتاب والسنة)، وتوابعهما من (فهم وعمل جيل الصحابة والتابعين والقرون الهجرية الأولى)، ومسارهما التراثي والخيري إلى يوم الناس هذا. ما أدى إلى التطويح بهذا الفرد المتميز بكل سهولة ويسر، هذا الفرد المُحاطِ بهذه الأسوار المنيعة من الوعي والرشاد والحكمة المقدسة (الكتاب والسنة)، وتحوله إلى مجرد كائن اقتنائي واستهلاكي لا يعرف حكم ومكانة الوسيلة، التي يجب أن تأخذ حكم مقصدها الشرعي.

وقد كان مصدر عجبي أيضا منبعثاً من الركن الرابع للظاهرة وهو: الجانب الإمكاني الذي له علاقة مباشرة بمحتوى الفرد ومضمونه القيمي ورصيده الديني الخالد، حيث طغى هذا الركن عليَّ وأنا أُحلل الظاهرة، مقابل الزمكانية والكيانية، على اعتبار أن هذه الأركان سقطت مع سقوط الحواجز والحدود بفعل الموجة والثورة الإلكترونية والاتصالية الخامسة التي أتت على كل المقومات الإمكانية والموهبية والتمكنية والإرادية لدى الفرد والمجتمعات العربية والمسلمة، التي وقعت في حالة الاستسلام الكلي لمضامين ورسائل وقيم الغالب المسيطر.

وقد رصدت الفرد العربي الإسلامي كظاهرة جديرة بالتحليل والنظر عبر بوابات نخبه الدينية والثقافية والأدبية والفكرية.. التي جسَّدَتْ الظاهرة بكل مكوناتها الفلسفية والنظرية والعملية التطبيقية، حيث تراها في عملية اتصال إلكتروني دائم، وغير منقطع البتة، يغطي حدود المكان والزمان والإمكان والكيان، في: المطار والطائرة والسيارة ومحطات القطار والميترو، وفي المطعم والنادي والفندق، وفي المصعد والبهو والردهات والطرق، وفي الاستراحات والخلوات، وحتى في الأحاديث الجانبية والخاصة والعامة.. واستصحب ذلك الاهتمام بالظاهرة عمليات بحثية ومنهجية رافقتها منذ عقد من الزمن العلمي الراصد لتلك الظاهرة الاتصالية، وانطلقت في شكلها البحثي عبر رصد متغيراتها الأساسية.

* المتغيرات الأساسية للظاهرة:

ففي ملتقى إسلامي عالمي انعقد شهر جانفي 2016م حَضَرْتُهُ لتقديم ورقة علمية حول إشكالية دينية عظيمة القدر تعاقب على المنصة المتكلمون والخطباء والمحاضرون ليلقوا أوراقهم أو ليبكوا أو ليتباكوا – كعادتنا في قرون الأفول والتراجع- على واقع الأمة الهزيل، لنخبة تملأ القاعة بأجسادها فقط، وهي في حقيقتها مشغولة وغائبة بعقلها وروحها، حيث تتسمر عيونها وسائر حواسها الباطنية والظاهرية في رؤوس أناملها وهي تعبث بشاشة الزجاجة الصغيرة، وهكذا الكل يعامل الكل، والكل يمارس الغياب القسري مع الكل، الكل الحاضر والكل الغائب.. وتظل القاعة على تلك الوتيرة حتى يفرغ المتكلم أو المحاضر من كلامه وينزل من المنصة، ويصفق له جميع الغائبين، ويجلس ويمارس الدور نفسه مع أخيه المحاضر الذي صعد من قبله أو من بعده، وهكذا حال وشأن النخبة الدينية والفكرية الإسلامية اليوم مع وسائط الاتصال الإلكترونية، اقتناءٌ وتكديسٌ وانعدام للرؤية الشرعية والمقاصدية في التعامل مع المنجزات الوسيلية، والتي كان يُفترض فيها ترشيد الأمة وتعليمها الحكم الواجب شرعا مع الوسائل. وقد تكرر هذا المشهد الدرامي أمامي في ملتقيات عالمية أخرى، كانت تُناقش قضايا الأمة المسلمة المصيرية.. وانطلقت من هنا لأطرح السؤال القديم الجديد، مستحضرا في الوقت نفسه بقوة نتائج دراساتي الميدانية المنطلقة من السؤال التالي:

* ماذا تفعل وسائل الإعلام بالجمهور؟

وأتساءل هنا وبعد تشخيص الظاهرة الاتصالية المرضية التي اجتاحت بقوة فردنا ومجتمعاتنا العربية والإسلامية، وأقول: هل نكتفي بطرح السؤال التقليدي حول وسائل الإعلام والاتصال الذي طرحه منذ عشرينيات القرن الماضي باحثو الإعلام والاتصال والدعاية، وهو: ماذا تفعل وسائل الإعلام بالجمهور؟ وهل لها تأثير مباشر في الجمهور؟ والذي جاء نتيجة دراسة أثر بعض البرامج الإذاعية والسينمائية والتلفزية على الجمهور، كمسلسل غزو من الفضاء، أو فيلم غزو من المريخ، أو برنامج غزاة الأرض، أو غيرها من البرامج التي تعزز مكانة ودور فئة من المجتمع كالمرأة والشباب والعمال.. وهل يحق لنا أن نطرح هذا السؤال مجددا مع تطور وسائل الإعلام والاتصال الشبكية، ومع دخول العالم عصر التسخير والتحكم في قوى الطبيعة، وتوديعه لعصر الإعلام سنة 1995م، وعصر المعلومات سنة 2002م، وعصر المعرفة 2010م، وتمكنه من علوم (فك الشفرة الوراثية، والذرة، والكومبيوتر). وهل هي هذه الوسائل التي نطرح معها هذا السؤال التقليدي الذي كان يُطرح مع تلك الوسائل التقليدية (الصحيفة، الإذاعة، السنيما، التلفزيون)؟

وهل بالفعل تصنع وتؤثر وتفعل وسائل الإعلام والاتصال الإلكترونية فعلها وتأثيرها في الجمهور؟ وهل حالة التخبط والانصياع الوسيلي التي مُني بها الفرد الحداثي من جهة، وفردنا العربي والإسلامي من جهة أخرى على وجه الخصوص ينفع معها طرح مثل هذا السؤال؟ وهو الذي ولَّدَ نظريات إعلامية واتصالية كثيرة في دراسة ومعالجة هذا التأثير، كنظرية (القذيفة السحرية) و (الحقنة تحت الجلد) و (حارس البوابة الإعلامية) و (الاتصال المتقطع)، و (الاتصال عبر مرحلتين)، و(الاتصال الجمعي والجماهيري والحضاري والثقافي).. وغيرها، وهل سنجني – بالفعل – شيئا علميا وبحثيا يُذكر في تحليل وفهم وتوجيه وتقييم وتقويم هذه الظاهرة الإنسانية والاجتماعية والنفسية، لو طبقنا هذا السؤال (ماذا تفعل وسائل الإعلام بالجمهور؟) وألزمنا به فرضياتنا وتساؤلاتنا ومنهجنا وتحليلاتنا ونحن نعالج إشكالية: ماذا تفعل وسائل الإعلام والاتصال بالجمهور؟ وهل بالفعل تؤثر فيه أم هو الذي يؤثر فيها؟ عبر مجموعة من:

* الدراسات الميدانية:

وقد بينت الدراسات الميدانية التي تتبعنا فيها هذه الظاهرة عبر عقد من الزمان (2005-2015م) وشملت طلبة وطالبات السنة الأولى من الجذع المشترك تخصص العلوم الإسلامية بإحدى الجامعات الجزائرية وعددهم (6780) طالب وطالبة في هذه المدة وبعد تمدد وسائل الإعلام والاتصال التقليدية، وانتشار الوسائط الإلكترونية الحديثة بوفرة بين جمهور الدراسة المبحوث، حيث توجهت الدراسة كل عام نحو نقطة بحثية ذات علاقة وطيدة بالجمهور والوسائل معا. وأفرزت لنا الدراسة نتائج متباينة، مكنتنا من معرفة اتجاه الجمهور ووسائل الإعلام والاتصال، وتبينا في المحاولات البحثية المبكرة من التأكد من أن هذا السؤال يمكنه أن يُغطي جانبا مهما من معالجة ودراسة الظاهرة، ولاسيما في المجتمعات المبهورة والسهلة التبعية والانقياد، والضعيفة في التأثير المؤسسي: (الأسرة، المدرسة، المسجد، المركز الثقافي، الشارع، التسلية..)، والتي مازالت تفعل وسائل الإعلام والاتصال التقليدية فيها فعلها المدمر، فضلا عن ما تقترفه وسائط جيل الموجة الإلكترونية الخامسة الجارفة من عمليات مسح وتدمير كلية لا تُبقي ولا تذر.

وتبين أن الطلبة موضع وهدف الدراسة، طلقوا – ثلاثا- مقاعد الدراسة الجامعية منذ سنين، واستغنوا عن الجامعة والمكتبة والأستاذ والمحاضرة – عدا الحصة التطبيقية لإجراءاتها الردعية بالفصل بالغياب- كما زهدوا في الكتاب المدرسي والعلمي والثقافي والأدبي والفكري والتاريخي والديني الورقي..: دراسة وبحثا واطلاعا واستعارة واقتناء وقراءة وتبادلا وتفاخرا وتميزا.. على حساب (الأجهزة الإلكترونية ومحركات البحث والأقراص) مبكرا، وعلى (الهاتف النقال) و(الزجاجات الاتصالية= اللوحات الرقمية) مؤخرا، والتي أخذت منهم – من غير استئذان- الأبعاد الأربعة ( الزمكانية، الكيإمكانية)بكل سهولة، وتحولوا جراء الإدمان عليها إلى مجرد كائنات أمية، بَلْهَ جاهلة بكل المعارف والعلوم الدينية وحدودها التكليفية الدنيا والواجب تعلمها ومعرفتها وممارستها شرعا، على حساب إضاعة الوقت والجهد والواجبات الحياتية والشرعية، لتلهية النفس وتلبية شهواتها التي لا تنتهي أبدا، إلاّ بضوابط الدين. وفد أسعفتنا تلك الفرضيات في مقارباتنا التحليلية لإظهار جانب مهم ووجيه من تأثيرات وسائل الإعلام والاتصال الحديثة في الجمهور المستهلك. وتساءلنا مجددا مستحضرين نتائج الدراسات الميدانية التي انصبت في هذا الاتجاه منذ عقد عبر السؤال التالي:

* ماذا يفعل الجمهور بوسائل الإعلام؟

ولعلنا نعيد طرح السؤال مجددا عبر الطروحات البحثية والعلمية التي طرحها باحثو الدعاية والإعلام منتصف ونهاية القرن الماضي، بهدف معرفة أثر وتأثير الجمهور في وسائل الإعلام قُبيل وغداة الحرب العالمية الثانية، والذي جاء بعد سيول التراكمات العلمية والمعرفية والمنهجية والوسيلية التي وصلت إليها المجتمعات المتقدمة نهاية القرن الميلادي الماضي، والتي جعلت مستوى الفرد العلمي والمعرفي والمنهجي والثقافي والأدبي.. متطورا، دون احتساب المستوى الروحي والأخلاقي حيث العقل هو مصدر كل التشريعات والقرارات عند الآخر، وهو ما يؤهله – بزعمهم – للسيطرة والتعامل العقلاني والنفعي مع وسائل الإعلام والاتصال التقليدية والحديثة، ومفاده: ماذا يفعل الجمهور المثقف والمتعلم بوسائل الإعلام؟ فهو جمهور متميز غير الجمهور السابق، جمهور متعلم مثقف ومتميز، يستطيع أن يتعامل مع وسائل الإعلام والاتصال بكل جدارة وتحكم وعقلانية، ويأخذ منها حاجته التي تشبعه فقط، وهو الذي ولَّدَ نظريات أخرى كنظرية (الاستخدامات والاشباعات) ونظرية (الأولويات) ونظرية (الأجندات) وغيرها.. وبالنزول بالسؤال وفرضياته البحثية حول ظاهرة الهوس الإلكتروني التي أصابت الفرد العربي عموما ونخبه خصوصا، وإعادة تدوير طرح السؤال هذه المرة على الجمهور الإعلامي والاتصالي العربي والإسلامي ومفاده: ماذا فعلتم في وسائل الإعلام والاتصال الحديثة؟ فقد بينت نتائج الدراسة التي تناولت الشريحة محل الدراسة، أنهم عجزوا عن الصمود أمام سحر وسائط الموجة الإلكترونية الحديثة، وتبين أنهم لا يملكون ولا يستطيعون التحكم في تأثير تلك الوسائل السحري فيهم، وأنه لم تبق لهم القدرة على الحركة أو المناورة أو المقاومة للقيام بالواجبات الحياتية والشرعية – إلاّ بالقدر الضئيل والمحتشم- أمام منافسة وإغراء الوسائط الحديثة وعوالمها الافتراضية.

وقد بينت الدراسة أيضا أن نسبة 96% من المبحوثين لم يزوروا معرضا للكتاب في حياتهم، ولم يقتنوا كتابا، مقابل 04 % منهم من زار معرض الكتاب فقط، وأن نسبة 08،0 % منهم، أي أقل من 01 % اقتنوا بعض الكتب. بل ثمة منهم من لم يدخل مكتبة في حياته، ولا يعرف كيف يتصرف لو دخل مكتبة، ولاسيما فئة الإناث اللائي يقدمن من المناطق الريفية، حيث يحظر على المرأة الخروج، وقد سألتني الكثير من الطالبات هذا السؤال: إذا أردنا أن نشتري كتابا فماذا نفعل؟ وماذا نقول لصاحب المكتبة؟ مع العلم أن كل الطلبة يملكون الهواتف النقالة الحديثة جدا، بله من آخر الأجيال، ويحسنون استخدامها والتعامل معها بكل سرعة وخفة، صارت محل إدمانهم حتى في الحصة العلمية، ما تسبب في حدوث مناوشات بيني وبين مستخدميها، ليدعوا استخدامها خارج الحصة أو المحاضرة العلمية، كمحاولة لمعالجة حالة الإدمان المرضي التي باتوا عليها، والتي عجزت أسرهم عن تخليصهم وشفائهم منها.

بل توسعت الدراسة لتستطلع الفئة المبحوثة على مدار عقد من الزمن نحو مجالات بحثية أخرى لها علاقة وطيدة بالجمهور ووسائل ووسائط الإعلام والاتصال التقليدية والحديثة، وذهبت لتستطلع إن كانت لهم اهتمامات بقراءة الكتب الورقية والإلكترونية، حيث كانت النتائج كارثية جدا على الكتاب الورقي خصوصا، فقد بلغت نسبة عدم الاطلاع على الكتب الورقية والإلكترونية أيضا نسبا مقلقة جدا توقفت عند حد 50،03 % ممن قرأ وطالع وعرف واستطاع تسمية الكتب التي قرأها خلال حياته، وبعملية حسابية لثلاث دفعات 2012.. 2016م لطلبة دكتوراة تخصص الدعوة والثقافة الإسلامية تبين أن كل طالب قرأ بمعدل كتاب واحد في السنة من عمره، فطالب عمر ثلاثون سنة قرأ ثلاثين كتابا استطاع أن يتذكرهم بصعوبة بالغة، وهكذا سائر الدفعات المبحوثة في عالم القراءة.

وكذلك أمر الصحف اليومية أو الأسبوعية أو الشهرية، وكانت النتائج مقلقة أيضا، حيث أن نسبة 99% لا تقرأ أي صحيفة ولو في شكلها الإلكتروني، وليست لديها صحيفتها الورقية أو الإلكترونية الوطنية أو العربية أو الإسلامية المفضلة، وأنهم لا يعرفون ثمن النسخة الورقية لأشهر الصحف الوطنية الجزائرية المستقلة، ولا يميزون بين الصحيفة الرسمية والمستقلة، ولا يعرفون ما تحتويه الصحف والمجلات العامة والمتخصصة الرسمية والمستقلة، وأن نسبة الـ 01% التي تقرأ الصحف الورقية هي من كبار السن الذين عادوا لمقاعد الدراسة، فهم من مخلفات الأجيال السابقة.

وقد بينت الدراسة الميدانية في سنة من سنوات العقد العلمي والدعوي الفاعل للدراسة الميدانية عن حقيقة تعاملهم واستفادتهم من وسائط الاتصال الحديثة، والتي أفرزت النتائج والإحصاءات الكارثية الآتية:

1 – أن نسبة 46% من المبحوثين يستخدمون هذه الوسائط للبحث عن شريك الحياة.

2 – أن نسبة 27% من المبحوثين يستخدمون هذه الوسائط للبحث عن مناصب العمل.

3 – أن نسبة 20% من المبحوثين يستخدمون هذه الوسائط للبحث عن التسالي والترفيه والأغاني.

4 – أن نسبة 07% من المبحوثين يستخدمون هذه الوسائط للبحث العلمي فقط.

ويكفي القول: أن هذه النتائج محيرة وكاشفة عن المستوى العلمي والثقافي والديني والأخلاقي لنخب الأمة، ومظهرة لتأثيرات وسائل الإعلام في الجمهور غير المحصن روحيا، ومحبطة للدارسين – من أمثالي- الذين يعتقدون أن الجمهور يمكنه أن يفعل شيئا في وسائط الاتصال الحديثة، فهؤلاء الطلبة الجامعيون وهم نخبة وصفوة الأمة ومستقبلها ومصيرها لا يتجه منهم للبحث العلمي سوى نسبة 07% فقط، وهو الذي صدمني خلال عمليات البحث، وأصابني بالإحباط واليأس من مستقبل العالم العربي والإسلامي، الذي استوى مثقفوه ورواده مع عامييه. ولعلني أُعيد طرح السؤال بتركيب ازدواجي من طرفين مختلفين:

* ماذا يفعل الجمهور والوسائط ببعضهما؟

واليوم يعاد طرح السؤال: ما يفعلان ببعضهما؟ ومن المسؤول عن الفوضى القيمية في العالم الفرد أم الأجهزة؟ وقد تساءلت كثيرا وأنا أقوم بالإجابة على فرضياتي البحثية هل النتائج التي توصلت إليها كافية لإثبات حالة الشلل التي أُصيب بها الجسد المسلم، صاحب الرسالة الخاتمة والمُنقذة ورسول الخيرية للبشرية الضالة والتائهة، وهل يمكنه فعل شيء في وسائل الإعلام والاتصال؟ ويكتشف دوره الرسالي الحقيقي المنوط به حضاريا، أم سيبقى أسير شهواته ورعونته، يتبع الآخر حذو القذة بالقذة كما أخبرنا الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام. وهو ما سيكون موضع بحث قادم إن شاء الله، ينطلق من هذه الفرضية وهذا التساؤل الحتمي.

* والنتيجة المقلقة والمحيرة والمربكة هي أن وسائل الاتصال والإعلام منجزات محايدة لم يحسن الفرد السيطرة والتحكم فيها. وأن الوسائط الإلكترونية الحديثة لم تستعبد الإنسان، بل هو الذي انفلت من الضوابط الاجتماعية والدينية لاهثا خلفها. وأن هذه الوسائط ليست هي المسؤولة عن الظواهر الملاحظة اجتماعيا (الجهل، الأمية، الفوضى، اللهو، الإباحية، العنف، الجريمة، التسيب، الإلحاد، التمرد، العصيان، الثورة، الانفلات..)، بل قابلية الفرد للميل نحوها هو الذي زودها بمضامينه المرغوبة عبثيا. وأن وسائط الإعلام التقليدية والحديثة مجرد أدوات بيد الإنسان، وجدته مؤهلا لهذه الظواهر فأغرته اللارتماء نحوها بكل غباء. ومن وجهة النظر الدينية تبين أن هذه الوسائط تأخذ حكمها من مقاصدها كما ذهب إلى ذلك سلطان العلماء (العز بن عبد السلام ت 660هـ) في (قواعد الأحكام في مصالح الأنام)، فتسقط وتبطل ببطلان منافعها ومقاصدها. وأن العبث بهذه الوسائط أمام الملء ضرب من خوارم المروءة، فليس من المروءة أن تحضر ملتقى أو تجلس إلى جانب صديقك وأنت مشغول عنه بزجاجتك، بل أنتما مشغولان عن بعضكما بمضامين تلك الزجاجة.

فمتى ننتبه لبعض؟ ومتى نعيد حرارة ودفء الروح الشرقية؟ ومتى نضع هذه الأجهزة جانبا؟

*أكاديمي وباحث جزائري

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى