كلمة الرئيس

وماذا بعد الحجّ؟ – الدكتور عبدالرزاق قسوم

فيا حجاجنا الميامين!
الآن، وقد أصبح حجّكم، مبروكًا، وذنبكُم متروكًا، وجهدكُم منهوكًا، “فغُسِلت عِظامُكم” وطُهِّرت أفهامكم، وبُدِّدَت أوهامكم. فالحمد لله الذي بارَك سعيكم، وعمَّق وعيكم، وسدّد رميكم.
نحن –بأحجاجنا الميامين- نُدرِك مدى المعاناة التي عانيتموها، قبل الحجّ، بقضائكم في العراء اللّيالي الطِوال أمام السفارات، وقبل ركوب الطائرة في المطارات، وبعدها في السّعي والطّواف، ووقوفِ عرفات، ورميِّ الجمرات.
بل لقد كنتم ضحايا التضليل والتدجيل، فبذلتم الأرق والعرق، والمال الكثير كيفما اتفق. وماذا رأيتم في الحجّ؟.
أمّة إسلامية، كانت آمنة مطمئنة، تحوّلت إلى أكوامٍ بشرية، مثخنة بالجِراح، مليئة بالأحزان، والأتراح بسبب الظلم البواح، والتّضحية بالأنفس والأرواح. اِلتَقيْتُم –ولا شك- باليمني الشّقي المشرّد، وقد كان السعيد الممجّد.
وبالسّوري اللاجئ الطريد، وكان في غوطة الشام ينعم بالعيش السّعيد. وبابن العِراق، الذي جار عليه الإخوة والرّفاق، فصار ضحيّة الطائفية التي تسفِكُ الدّم المراق. وهذا اللّيبي المكرّم المعزّز، وقد أضحى مهانًا. يتأوّه ويتقزز.
إنّها شعوب إسلامية، شرّدها الظلم والاستبداد، والطغيان، فأضحت تعيش الخوف، من أفغانستان، وباكستان إلى بلد “قمعستان”.
إنّكم يا حجّاجنا الميامين، قد عانيتم كلّ هذا وأكثر في حجّكُم المبرور، وذنبِكم المغفور، وإذ تعودون إلى جزائركم، فماذا أنتم واجِدون؟.
إنّها الأزمات التي تطّل برؤوسها على أكثر من صعيد، غلاءٌ في الأسعار، وفسادٌ في الأفكار، وعنف واختطاف للأطفال من المدارس والدّيار، والتّنكيل بالزّوج وبالجار، فيا للعار!.
ستجِدون تلاسنا غبيًّا، كتلاسن طَيَابَاتِ الحَمَامِ، بين السياسيين، والمناضلين، وسلسلة أخطاءٍ عمّت حتى كُتب الأطفال الأبرياء الميامين، ولا تسأل عن المرضَى المساكين، ولا عن الفقراءِ المعوزّين، ولا عن الشبان البطّالين المغامرين بحياتهم أو المنتحِرين، فسترك، ولُطفَك ببلادنا اللّهم آمين!.
نرسم لكم –يا حجاجنا الميامين- هذه اللّوحة القاتمة السّوداء، لنوعيكم بمواقِعكم، ونُذكِّركم بواجِبكم… فالتّقوى هاهنا! التّقوى هاهنا!.
إنّ بلدكم في حاجة إلى المدرسة النّموذجية الأصيلة النّبيلة، التي تبني الأجيال الجليلة المؤمنة برّبها، الواثقة بوطنها، المعتزّة بثقافتها. وبدل أن تنفقوا أموالكم في أداءِ العمرة، أو التفكير في الحجّ أكثر من مرّة وجِّهوا أموالكم إلى بِناء المدارس، فهي نِعم الاستثمار في حسن المغارِس. وكما يقول شاعِرنا محمّد العيد آل خليفة:
أراك بلا جدوى تئنُّ من الظلمِ إلى العلمِ، إنْ رُمت النّجاة إلى العِلم
إنّ بناء الأغنياءِ لحضانة أطفالٍ جزائرية التّوجّه، إسلامية الرّوح، عربية الثّقافة واللّسان تساوي -في ثُقلها عند الله- ثقل الحجّ لمن سبق له أن حجّ واعتمر.
وإنّ بناء مصحّة للتّضامن الاجتماعي المجاني، لتخفيف آلام المنكوبين تفوق في أجرِها عند الله أجر أداء العُمرة كلّ سنة.
وإنّ تأسيس جامعة للعلوم، تنشد المستوى العالمي، وتستجيب لطموحات جيلنا الذّهبي في العلم، والمعرفة، والقيم الوطنية، والإنسانية لهو التّاج الذي يتوِّجُ به رأس الأغنياء في بلادِنا، والحجّاج منهم على الخصوص. ذلك أنّ مقاومة الجهل، والمرض، والتخلّف، هو الجهاد في أسمى مراتبه، وأنبل معانيه.
فإذا –قضيتم يا حجاجنا الميامين- مناسككم الدّينية، والاجتماعية والوطنية، فدونكم إخوانكم اللاجئون في كلّ مكان، في غزّة العِزّة الذين ضاقت عليهم الأرض بما رَحُبَت، فهم في حاجة إلى غِذاء، وغطاء، ودواء، وأطباء، فلنواسى جِراحهم، ولنخفف آلامهم وأتراحهم!.
إنّ سُبل الخيرات، بعد الحجِّ كثيرة، ونبيلة، وإنّ جمعيتكم أمّ الجمعيات، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين هي الضّامنة لتحقيق كلّ هذه الأهداف بدء بحضانة الأطفال، ومرورًا بالمدرسة والجامعة، وانتهاء بدواءِ وغِذاء غزّة.
هاهنا –يا إخواني يكمن ما بعد الحجّ، فليس ما بعد الحجّ عمامة وقميص، ولا لقب في المجالِس بالتّخصيص. إنّ الحجّ وما بعده بنيانٌ وتشيّيد. هذا هو الإسلام في جوهره ومخبرِه. وذلك هو أساس الإسلام في غايته ومقصدِه.
آن الأوان –إذن- أن ننتقل من الفهمِ الرّاكدِ للإسلام، ومن التّطبيق الفاقِد لمعنى الإنسان، لنجعل من سلوكِنا، وفهمنا لديننا، آلية فعّالة للخروجِ من التّخلّف، والتّبعية في زمن لم يعد فيه مكان إلاّ للعلم بأوسع وأشملِ وأدّق وأعمق معاني العلم.
فأهلاً وسهلاً، بإخواننا العائدين من الحجّ، ليُفعِّلوا ساحة العمل الإسلامي الصحيح، بما سيُنفِقون من أموالِهم وجُهدِهم في سبيل النّهوض بوطنهم خصوصًا في بداية السّنوات العِجاف التي تقبِل الجزائر عليها.
فليرتفع النّفط أو فلِينخفض، فإنّ في أعماق أرضنا من الإنتاجِ الفلاحي ما يكفي لتعويضه، وإنّ في سواعِد أبنائنا من جهدٍ وعمل، ما هو كفيل برفع مستوى الحياةِ بجميع ميادينها، لمواجهة التقشّف في الجيوب والتّعفّف في الأيدي والقلوب.
إنّ من حج فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيومِ ولدته أمّه. فإذا أضاف إلى ذلك الانحراط بصدق في ملحمة البِناءِ، والإصلاحِ والتقدم فقد غفِر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، وذلك هو معنى الحجّ وما بعده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق