قضايا الأمـــة

هل تخلّت روسيا عن الأسد؟ بقلم: حسين لقرع

لقرع حسين أ.حسين لقرع

  أثار القرارُ المفاجئ الذي اتخذته روسيا يوم الاثنين 14 مارس الجاري بسحب القوة الجوية الرئيسة من سوريا، ذهولاً كبيراً لدى مختلف قادة العالم والمتتبعين للشأن السوري على السواء، وربما فاجأ حتى الرئيسَ السوري بشار الأسد نفسه وإن تظاهر بغير ذلك.. لا أحد كان يتوقع اتخاذ هذا القرار في وقتٍ لم يتوصّل بعد طرفا الصراع في سوريا إلى تسويةٍ سياسية تضع حدا لهذه الحرب الطاحنة التي أنهت يوم 15 مارس 2016 سنتها الخامسة ودخلت السادسة.

  عشيّة انطلاق مفاوضات “جنيف 3” برعاية الوسيط الأممي ستيفان دي ميستورا، فاجأت روسيا العالم كله باتخاذ قرار سحب الجزء الأكبر من قوتها الجوية من سوريا، والإبقاء فقط على عدد محدود من الطائرات والضباط لمراقبة وقف إطلاق النار انطلاقا من قاعدة “حميميم” الجوية، وكذا الاستمرار في توفير الغطاء الجوي للجيش السوري في حربه المتواصلة ضد “داعش” و“النصرة” وأخواتهما من التنظيمات التي لم يشملها قرارُ وقف إطلاق النار، وقد وفّرت هذه الطائرات فعلاً غطاءً جويا كثيفا للجيش السوري وهو يهاجم تدمر هذه الأيام لاستعادتها من “داعش”.

   هذا القرار المفاجئ أسال الكثير من الحبر، وعجّت مختلفُ وسائل الإعلام بالتعاليق والتحاليل التي حاول أصحابُها فهم خلفياته وأسبابه ومراميه، وكثُرت التخمينات والقراءات والتفسيرات واختلفت باختلاف موقف كل محلل ومتتبع من طرفي الصراع في سوريا؛ ففي حين رآها المتعاطفون مع المعارضة السورية إشارة إلى تخلّي روسيا عن الأسد وتركه يواجه مصيره، رآها متعاطفون مع النظام خطوة عادية، تأتي بعد تحقيق القوة الجوية مهمتها، وهي إضعاف المعارضة السورية من جراء القصف المكثف لها وشنّ أزيد من 9 آلاف غارة جوية عليها، دمّرت المئات من مواقعها، وقتلت الآلاف من عناصرها، ومنهم ألفان من القوقاز، ومكّنت الجيشَ السوري من استعادة نحو 400 بلدة وقرية ومجمّع سكني، وتحقيق تقدّم غير مسبوق على كافة الجبهات منذ بداية الأزمة، ما يتيح تحقيق تسوية سياسية الآن، بعد جرّ المعارضة إلى المفاوضات رغماً عنها، وهي التي ظلت تتمنّع عليها وترفضها طويلاً وتراهن على انهيار الجيش السوري بمرور الوقت تحت كثافة ضرباتها، وبالتالي إسقاط النظام بالقوة.

   ويُعتقد أن هناك أسباباً عديدة وراء القرار الروسي، لعلّ أهمّها الضغط على النظام السوري لقبول الخطّة التي تقدّم بها دي ميستورا بإيعاز من روسيا وأمريكا، لتحقيق تسويةٍ سياسية في سوريا قائمة على ضرورة ذهاب الطرفين إلى تشكيل حكومةٍ جامعة مهمّتها تسيير مرحلة انتقالية تدوم 18 شهراً وتنتهي بانتخابات عامة، رئاسية وبرلمانية ومحلية، تحت إشراف ومراقبة دولية صارمة، تكون بمثابة الفيْصل بين طرفي الصراع اللذين يجب أن يحتكما إلى الشعب للفصل بينهما انتخابياً، بعد أن عجز السلاحُ عن الحسم لصالح أي طرف من الطرفين منذ 5 سنوات كاملة من الحرب التي خلّفت خسائر مهولة وضعت البلاد على حافة الانهيار والتفكّك.

   وقد جاء الانسحابُ الروسي من سوريا بعد أن لاحظت روسيا أن حليفها يميل إلى الحل العسكري لا السياسي، بدليل أن وزير الخارجية وليد المعلّم قد أصدر منذ أيام تصريحاتٍ استفزازية ضد المعارضة ووضع عقبات في طريق محادثات “جنيف 3” من شأنها أن تُفشِلها مبكّراً، ومنها اعتبار بشار الأسد “خطا أحمر” لا يمكن المساسُ به والتفاوض حول مصيره، فضلاً عن تصريحه بأن “مستقبل سوريا يصنعه الجيش السوري وحلفاؤه وليس محادثات جنيف”، وهي التصريحات التي تكون قد صدمت الحليف الروسي، لأنها تعني أن سوريا تراهن على حليفها لتحقيق الحسم العسكري ولا تريد تقديم أي تنازل للمعارضة باتجاه تحقيق حل سياسي يستجيب للحدّ الأدنى من المطالب المشروعة للشعب السوري في الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية… ومن هنا جاء الانسحابُ الروسي ليُجبِر النظامَ السوري على التخلي عن تصلّبه ومراجعة مواقفه وإبداء مرونة خلال محادثات جنيف قصد التوصّل إلى تسويةٍ سياسية نهائية للأزمة على قاعدة خطة دي ميستورا، وبعد اتفاق الطرفين على شكل المرحلة الانتقالية والحكومة المنتظرة والدستور الجديد… وغيرها من نقاط الخلاف بين الطرفين.

   ويُعتقد أن التدخّل العسكري الروسي المفاجئ منذ 30 سبتمبر 2015، ثم الانسحاب المفاجئ يأتي ضمن اتفاق مسبق مع الأمريكيين لحل الأزمة السورية سلميا بعد تهيئة الأجواء لها، وأن هذه الأجواء باتت مهيّأة الآن بعد نحاج وقف إطلاق النار في الصمود منذ بدأ سريانه في 27 فبراير الماضي إلى الآن، ولن تقبل روسيا ولا أمريكا بأن يُفشِل أي طرف من طرفيْ الصراع محادثات “جنيف 3” بتصلّبه وإصراره على شروطه ووضع خطوط حمراء لما يمكن مناقشته في المفاوضات. وانطلاقاً من ذلك، يُنتظر أن تقوم القوتان العظميان بإجبار طرفي الصراع على القبول بخطة دي ميستورا، كما أجبراهما من قبل على وقف إطلاق النار.

   وهناك قراءة أخرى للانسحاب الروسي وهي أنه اتفق مع الأمريكيين مسبّقا على تقسيم سوريا إلى كيانات على أساس فيدرالي، وقد دعا وزيرُ الخارجية الأمريكي جون كيري إلى ذلك منذ أسابيع قليلة، وأيّده نائبُ وزير الخارجية الروسي بعد أيام وتحدث عن “سوريا الفيدرالية” بكل وضوح، وأيّدتها عدة بلدان غربية في ذلك في الآونة الأخيرة. ويُعتقد أن روسيا تتعمّد الإبقاء على حالة “التعادل العسكري” بين الطرفين، لتنفيذ هذه الخطة؛ أي تحويل التقسيم السائد الآن بحكم الأمر الواقع بين النظام والمعارضة والأكراد و“داعش”، إلى تقسيم “رسمي” تقوم بموجبه أربع دويلات على الأقل. وإذا فشلت محادثاتُ جنيف في التوصل إلى تسوية تحفظ وحدة سوريا، فسيمنح السوريون بذلك ذريعة للغرب لتنفيذ هذا المخطط وتقسيم سوريا بذريعة أنه الحلّ الوحيد لإنهاء الصراع فيها، ومن ثمّة امتداد التقسيم إلى دول الشرق الأوسط تباعاً، على أسس طائفية وعرقية، وعلى مدار سنوات عديدة…

   الكرة في مرمى السوريين وعليهم الجنوح إلى صوت الحكمة والعقل وإنقاذ بلدهم من الصوملة والتقسيم.

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق