البصائرمقالات مختارة

التّراث ضمن المنظومة التّربوية بقلم أ. محمّد بومشرة.

بومشرة

المقدّمة:

  من خلال العنوان: ” التّراث ضمن المنظومة التّربوية “ الذي اختير لي لأحضّره ثمّ ألقيه على مسامعكم، قمت بعملية بحث في مراجع التّربية عن التّراث في المنظومة التّربوية؛ فلم أعثر عنه لعدم وفرة وكثرة الكتابة في هذا الموضوع الذي أراه ذا أهمّية كبيرة، وجب الاعتناء به. فقمت بتعريف العنوان كلمة، كلمة وتقديمه للسّامع أو القارئ ليسهل عليه فهم رسالة عنوان المحاضرة التي بين أيدينا، وأثناء عملية التّعريف انفتحت لي شهية البحث ووجدت نفسي أساهم في الموضوع من خلال تجربتي في الميدان التّربوي، وبعض المراجع التي وظّفتها في محاضرتي، والله المستعان.

تعريف التّراث:

لغة: كلمة تراث من فعل ورث (ثلاثي) وهي كلمة قديمة استعملها العرب قبل الإسلام.

قال الله تعالى:{وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ}[سورة النّمل: 16]. في الملك والنّبوّة ، وليس المراد وراثة المال.

وقال الله عزّ وجلّ:{فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ}[سورة الأعراف: 59]. فخلف من بعد ذلك الجيل الذي فيهم الصّالح والطّالح، خلْف آخر لا خير فيهم، وهم النّصارى وقد ورثوا الكتاب وهو التّوراة.

والتّراث يعني الميراث، في قوله تعالى:{وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا}[سورة الفجر: 19]. يعني الميراث “أَكْلًا لَّمًّا ” من أي جهة حصل لهم من حلال أو حرام.

وكان العرب قديما قبل الإسلام تأكل ميراث النّساء والأطفال لضعفهم أكلا شرها جشعا.

والتّراث هو ما يتركه ويخلفه الهالك لورثته؛ وأنّ “تاء” الكلمة أصلها “واو”. بمعنى “الوُرّاث” وهناك أمثلة عديدة عن مثل هذا الأمر، وهو تحوّل الواو إلى تاء في كلمات اللّغة العربية.

اصطلاحا: التّراث هو ما تركه السّابقون للاّحقين ماديا ومعنويا ممّا يتعلّق بالإنتاج الشّعبي المتمثّل في الآثار المكتوبة سواء كانت أثرية حجرية أو مثلها كالمخطوطات؛ ولعدم الاهتمام بها وصلنا البعض منها مبتورة أو غُلفا أو ممزّقة جزئيا من أطراف أوراقها.

تحديد التّراث في موضوعنا:

ما تركه الخلف للسّلف أنواع من التّراث: الشّعبي والثّقافي والعلمي والتّاريخي كلّه إيجابي، ما عدا ما تركه الاستدمار اللّعين من جهل وخرافات وعري وشرب أنواع من الخمور والتّدخين..

_ التّراث الشّعبي: وهو ما استعمله عامّة النّاس من فنّ في الأفراح والأسواق، وصناعة الملابس والأثاث المنزلي من صوف ووبر وجلد وحلفاء، وصناعة الأواني من طين وخشب.

_التّراث الثّقافي:تعريف الثّقافة: استعرض العلماء الباحثون ما يربو عن عشرين تعريفا للثّقافة. وخلاصة التّعريف للثّقافة فهي شيء مكتسب لا تمتّ بصلة إلى المسائل الغريزية أو الفطرية في الإنسان؛ وهي متبادلة التّأثير مع الإنسان، وتؤثّر بصفة خاصّة على السّلوك الفردي والجماعي. ولذلك اعتبر البرنوس والكسكسي عنصرا ثقافيا بسيطا._التّراث العلمي: هو ما تركه السّابقون وحافظ عليه اللاّحقون من حفظ القرآن وعلومه والسّيرة النّبوية المطهّرة وحفظ مختصر خليل في فقه الإمام مالك بن أنس، رضي الله تعالى عنهما، وألفية ابن مالك وكتاب قطر النّدى وبلّ الصدى لابن هشام في النّحو.
_التّراث التّاريخي: قال المؤرّخ الدّكتور أبو القاسم سعد الله: نحن أمّة تعرف كيف تصنع التّاريخ، ولكن لا تعرف كيف تكتبه. اهـ
والأمّة التي تحفظ وتحافظ على تاريخها الأمازيغي والعربي والإسلامي فهي تصنع للجيل الصّاعد، وهو الخلَف حاضرا زاهرا ومستقبلا ناجحا وحياة آمنة سعيدة.
تعريف ضِمْنَ: هو اسم، يعني داخل، محتوى، باطن، جوف، مضمون؛ وعكسها خارج، ظاهر. ولكلّ كلمة مكانها في الجملة.
تعريف المنظومة:
هي كلمة من فعل نظّم ينظّم نظاما. وهي تعني وضع قوانين وأسس سليمة للوصول إلى الأهداف النّبيلة، والغايات المرجوّة، خدمة للدّين الإسلامي والوطن عن طريق العلم الصّحيح وتراثنا الأصيل.
وللوصول إلى تقديم فرد صالح للمجتمع يجب أن تكون هناك منظومة متكاملة تشمل الأسرة والمدرسة والمسجد والنّادي والإعلام من صحف ومجلاّت وإذاعة وتلفزة وحتّى الانترنت والتّقاليد والقوانين والنُّظُم وغيرها، لرسم معالم الطّريق لتوضيح وتجلية الأهداف والمبادئ النّبيلة ورفع الغموض على كلّ ما هو دخيل على الجسم العربي الإسلامي.
تعريف التّربوية:
هي كلمة من التّربية، وقد اختلف كثير من المربّين قديما وحديثا أن يعرّفوا التّربية تعريفا جامعا مانعا.
التّربية لغة: رَبَّى أي غذّى الولدَ، وجعله ينمو؛ ورَبَّى الولدَ هذّبه. ورَبَا يربو أي نما وزاد.
ومن جعل أصلها رَبَّ من المصدر تربيبا لا تربية.
ورَبَّ القومَ يربِّيهم، بمعنى ساسهم وكان فوقهم. ورَبَّ النّعمةَ زادها، ورَبَّ الولدَ رَبَّاهُ حتّى أدرك.
التّربية اصطلاحا: وهي تهيئة الظّروف المتاحة لتنشئة الفرد تنشئة سليمة من النّاحية الخُلُقية والجسمية والعقلية والرّوحية. وتربية الإنسان تبدأ قبل ولادته وتنتهي بموته. كما تفيد معنى التّربية لكلّ كائن حيّ من إنسان وحيوان ونبات بطرق خاصّة به.
احتياجنا للتّربية:
نحتاج إلى التّربية لعدّة أسباب منها الاحتفاظ بتراثنا، وذلك بمساعدة كلّ ما ذكرناه مؤخّرا من مؤسّسات ومرافق، مع التّركيز على المؤسّسات التربوية بمختلف مراحل التّعليم الابتدائي والمتوسّط والثّانوي. ليقوموا بالدّور الهام لصيانة تراثنا وربط ماضينا بحاضرنا، وربط حاضرنا بمستقبلنا.
وكلّ الأطوار التّعليمية فضاء واسع قابل للقيام بالدّور الهام في عملية التّوفيق بين التّراث القديم، والمدنية الحديثة؛ بمعنى آخر التّوفيق بين الأصالة والمعاصرة.
إنجاح التّراث الجزائري في المنظومة التّربوية القديمة:
إنّ الذي حافظ على تراثنا عمليا منذ الاحتلال الفرنسي هو ذلك الدّور المنظّم الذي قامت به مؤسّسات الزّوايا الصّوفية (العلمية الجهادية) والكتاتيب ومدارس جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين.
المواد لإنجاح التّراث الجزائري:
لإنجاح التّراث الجزائري بمراحله التّعليمية يجب التّركيز على المواد التّالية:
  1. التّاريخ: يركّز على نسبك وانتمائك الأمازيغي والعربي الإسلامي، قال شاعر الشّباب محمّد العيد آل خليفة:
ففي هذا الثرى الزّاكي قديما
**
لنا ازدهرت حضارات كبار
وفي هذا الثّرى الزّاكي قديما
**
تفشّى العدل وانتشر اليســـار
وفي هذا الثّرى الزّاكي قديمـا
**
سما مازيغ واستعلى نــــزار
عليك تآخيا أدبا وديــنـــــــــــا
**
وحولك ضمّ شملهما الـجـوار
هما حميا ذمارك بـالعـوالــــي
**
قرونا فاحتمى بهمـا الـذّمـــار
  1. الجغرافيا: تركّز على جنسية الإنسان الذي ينتمي بين حدودها والحفاظ عليها، وأنّ الأرض التي يطؤها ليست فرنسا، وليست ولاية تابعة لها يفصلها النّهر الأبيض المتوسّط كما يخيّل إليها.
  2. القراءة: اختيار النّصوص الأدبية باللّغة العربية الرّاقية وهو الأسلوب السّهل الممتنع، مع الحفاظ على كلّ مستويات مراحل التّعليم، من تأليف أدباء وشعراء جزائريّين وعرب يكتبون للحفاظ على الهُوية والشّخصية الجزائرية، والنّصوص تتحدّث عن التّراث والمتاحف مع برمجة هادفة لزيارتها.
  3. التّربية التّكنولوجيا: هي دراسة الوسط قديما، فمن خلال هذه المادّة نبيّن لأبنائنا الطّلبة أن لا نُهمل تراثنا العريق بالصّور والتّوضيح؛ وفي الوقت نفسه نتكيّف مع التّكنولوجيا التي غزت مجتمعنا ونساير العصر الذي نعيشه من اختراعات تكنولوجيا التي تساعدنا على حياتنا اليومية، وهو ما يسمّى بالتّقريب بين الأصالة والمعاصرة؛ نعوّدهم على التّكيّف مع عصرهم والحفاظ على تراثهم من بعدنا، كما قال الشّيخ البشير الإبراهيمي: “إنّ الأمور تكيّفنا ولا تتلفنا”.
  4. الرّسم والأشغال اليدوية: هي نشاطات تربوية هادفة تروّح عن التّلميذ، نستغلّها للرّجوع بهم إلى ماضيهم التّليد وغرس حبّ التّراث للدّفاع عنه.
  5. النّشيد: نركّز على تقديم قصائد دينية ووطنية من تأليف شعرائنا قديما وحديثا لنغرس فيهم حبّ الوطن والاستماتة من أجله في سبيل الله تعالى. ولا نحفّظ لهم الأناشيد المشرقية وأغاني الرّاي والوايواي الدّخيل؟ أعجزت الجزائر على أن تقدّم أناشيد للأطفال وللكبار؟ كلاّ.
العنصر الأساسي في إنجاح التّراث ضمن المنظومة التربوية:
إنّه المعلّم الذي هو العمود الأساسي في المنظومة التّربوية، لابدّ التّركيز عليه بتكوينه تربويا وعلميا، وإعداده مهنيا، والاعتناء به ماديا.
الخلاصة:
هناك فرق واضح بين أجيال الماضي والحاضر كيف تعاملوا مع التّراث من خلال الزّوايا والكتاتيب ومدارس جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين والمدارس النّظامية من خلال المنظومة التّربوية التي مرّت بمراحل قبل الاحتلال الفرنسي إلى يومنا هذا.
وأن نحذّر من النّكت المضحكة عن تراثنا بدون أن نشعر ونحن نهدّم التّراث الجزائري من حيث لا ندري وترديد الأغاني التي لا أصل لها بتراثنا مستعينين بالمشرق العربي؛ بل علينا أن نعود بل نتصالح مع ذاتنا وتراثنا الغني.
المراجع:
  • القرآن العظيم.
  • تفسير القرآن العظيم لابن كثير.
  • التّراث العربي الإسلامي، دراسة تاريخية ومقارنة. للدّكتور حسين محمّد سليمان.
  • سمات الشّخصية الجزائرية، من منظور الأنثروبولوجيا النّفسية. للدّكتور أحمد بن نعمان.
  • أصول التّربية والتّعليم…في مختلف المراحل التّعليمية. للدّكتور تركي رابح عمامرة.
  • حياة دار الحديث العامرة تلمسان 1937-2010. الأستاذ محمّد بومشرة.
  • جلسة علمية في بيت الأستاذ الفاضل طيّب محمدي بوزينة بمدينة الشلف، مدير متوسّطة متقاعد، مكلّف بإمامة مسجد بلال بن رباح رضي الله تعالى عنه.
(*) محاضرة ألقيتها تحت إشراف المتحف العمومي الوطني للآثار الإسلامية مدينة تلمسان، بدار الثّقافة بهذا التّاريخ: 07 محرّم 1437 هجرية، الموافق لـ: 21 أكتوبر 2015.
الأستاذ محمّد بومشرة.
أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق