أحداث دوليةقضايا الأمـــة

انتفاضة السكاكين تقضّ مضاجع الصهاينة والحكام العرب أ. حسين لقرع

لقرع حسين أ. حسين لقرع

  عندما رخّص رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو لقطعان المستوطنين في سبتمبر الماضي القيامَ باقتحام المسجد الأقصى يومياً تحت حراسة قواتٍ خاصة من جيش الاحتلال وشرطته، تمهيداً لاتخاذ قرار التقسيم الزماني والمكاني للأقصى، كان يظنّ أن الأمر سيكون مجرّد “نزهة”، وأن الفلسطينيين سيستسلمون للأمر الواقع ويقبلون مرغمين بتقسيم الأقصى كما قبلوا من قبل بتقسيم المسجد الإبراهيمي في الخليل بين الفلسطينيين واليهود، لكن النتيجة صدَمته وجعلته يعيش ونظامه والمستوطنون في القدس والضفة أحلك أيامهم.

  تشهد القدس وعددٌ من مدن الضفة المحتلة منذ أول أكتوبر الجاري أعمال طعن بالسكاكين ودهس بالسيارات وكذا مواجهات بين المتظاهرين وجيش العدو وشرطته، أبطالها شباب من الجنسين دون سن العشرين باستثناء شهيد واحد، ما يعني أنه جيل جديد وُلد بعد اتفاقية أوسلو، وأنه تأكّد بعد سنوات طويلة أن المفاوضات العبثية الماراطونية التي كان شاهداً عليها بين السلطة الفلسطينية والاحتلال، لم تكن إلا غطاءً لتوسيع الاستيطان والتهويد والإذلال وصولاً إلى محاولة فرض تقسيم الأقصى تمهيدا لهدمه لاحقا وإقامة الهيكل المزعوم بدله..

   وهنا قرّر الشباب الفلسطيني أخذ زمام الأمور بنفسه وهو يرى المسجد الأقصى يُدنّس كل يوم دون أن تعمل السلطة الفلسطينية، ولا العرب والمسلمون، شيئا ملموسا لإنقاذه سوى استعطاف الإسرائيليين دون جدوى بالتوقف عن تدنيسه، والاستنجاد بالمجتمع الدولي بلا طائل، فكانت عمليات الطعن التي نفذها شبانٌ وشابات في مقتبل العمر ضد عددٍ معتبر من المستوطنين والجنود الصهاينة دون تردد برغم أنهم يعرفون أن مآل هذه العمليات غالباً ما تكون الموت أو المكوث في السجن سنوات طويلة جدا إذا قُبض عليهم أحياء..ولكن كل شيء أصبح هيّنا في نظرهم بعد أن بلغ السيلُ الزبى وتمادى الإسرائيليون في العبث بأولى القبلتين وثالث الحرمين وبالغوا في كيل الاهانات للفلسطينيين وقمعهم، وكانوا يعتقدون بأنه لا أحد سيتحرك لنصرة الأقصى وسيقبلون هذا الإذلال صاغرين و“يتعايشون” معه..

  اليوم يبرهن عشراتُ الشبان والشابات الفلسطينيين أن مراهنة الاحتلال ومستوطنيه على خضوعهم للأمر الواقع لم يكن في محله، فها هم ينتفضون في القدس ومدن عديدة محتلة في الضفة، ويطاردون قطعان المستوطنين ويطعنون الجنود المدجّجين بالسلاح ويحاولون اختطافه منهم، ويستشهدون دون أي تهيّب أو خوف من الموت، وهو ما أوقع الاحتلال في ارتباك كبير؛ إذ يخشى أن تتوسّع هذه العمليات وتتحوّل إلى انتفاضة ثالثة قد تعصف باحتلاله للضفة، بل وتعصف بالسلطة الفلسطينية أيضاً وتُسقطها، وتُنهي اتفاق أوسلو، وتفرض واقعا جديدا مختلفا تماماً في الضفة والقدس على الأقل، في انتظار فرض واقع آخر، لاحقاً، في الأراضي التاريخية المحتلة في عام 1948.

  لقد تجاوز المنتفضون السلطة الفلسطينية وثاروا على سلبيتها ومهادنتها المبالغ فيها للاحتلال و“سلميتها” التي لم تعد تعني سوى الخنوع والاستسلام، فأيّ “سلمية” هذه التي يتحدث عنها عباس ويطالب الثائرين بالتمسك بها، والأقصى يُدنّس يومياً وأراضي الضفة تُقضم ويبتلعها التوسّعُ الاستيطاني المستمرّ؟

  كما ثار المنتفضون على مختلف الفصائل التي غرقت في الخلافات والصراعات برغم تمزيقها للوحدة الفلسطينية، وأضحوا يتصرفون في عملياتهم الفردية بمعزل عنها ودون أي تنسيق معها، حتى أن الشهيد بهاء عليان، وهو أحد الشابين اللذين شاركا في قتل 3 مستوطنين وجرح 25 آخر طعنا بالسكاكين الثلاثاء الماضي بالقدس، كتب رسالة قبل قيامه بالعملية، ضمّنها “10 وصايا” وتقول الوصية الأولى للفصائل الفلسطينية: “لا تتبنوا استشهادي، فموتي كان للوطن وليس لكم”. وفي ذلك دلالة احتجاجية على تمزيقها للوحدة الوطنية لفلسطين والتي كانت أحد العوامل التي مكّنت الصهاينة من توسيع الاستيطان والتهويد وتقويض أساسات الأقصى دون رادع.

  وإذا كان الأمرُ على هذا النحو، فسيكون من الصعب جدا إخمادُ هذه “الهبّة الشعبية” كما تُسمّى، والتي تتجه إلى أن تتحوّل إلى انتفاضة ثالثة ستعصف حتماً بالاحتلال في الضفة كما عصفت الانتفاضة الثانية بالاحتلال في غزة؛ إذ أجبرت أعمال المقاومة التي قامت بها حماس آنذاك، شارون على سحب جيشه ومستوطنيه معاً في عام 2005، ولن يكون بمقدور السلطة إخمادُها إذا ارتكبت حماقة أخرى ضد شعبها وقرّرت “التعاون” مع الاحتلال لهذا الغرض تحت عنوان “التهدئة”، وهذا احتمالٌ وارد وإن كانت السلطة لا تزال ترفض ذلك إلى حدّ الساعة كما يقول الاحتلال، ربما خوفاً من أن يتحول الغضب الشبابي من الاحتلال إليها وتتورط في مواجهة معه تكون بمثابة “ربيع فلسطيني” في رام الله والضفة ضد عباس وسلطته.

   بل إن هذه الانتفاضة المباركة تبدو مستعصية حتى على الاحتلال نفسه، فهاهي صحيفة “هآرتس” تعترف بأن أجهزة أمن الاحتلال عاجزة تماماً عن مواجهة “ثورة السكاكين” لأن الأمر يتعلق بعمليات فردية مباغِتة وليس بانتفاضة حجارة يمكن معرفة بؤر نشاطها بسهولة، والتعاملُ معها بالقمع.

   هي حقيقة صادمة للاحتلال الذي كان يراهن على عباس لمنع اندلاع انتفاضة ثالثة بناءً على تعهّده الشخصي بذلك مراراً وتكراراً طمعاً في وهْم “السلام”، ولكن حتى إذا افترضنا أن عمليات “الهبّة الشعبية” كما تُسمى، لم تتحوّل إلى انتفاضة واسعة، فكيف يتصرف العدوّ مع العمليات الاستشهادية الفردية التي تُنفذ بوسائل “قتالية” بسيطة وهي الطعن بالسكاكين والدهس بالسيارات؟

   العدوّ في مأزق حقيقي وهو ما يفسّر لجوء رئيس حكومته إلى الاستغاثة بـ“أصدقائه” العرب لعمل ما يستطيعون من أجل “تهدئة” الأوضاع، ولكن ما الذي يمكن لهؤلاء “الأصدقاء” فعلُه إزاء هؤلاء الشباب والشابات الثائرين الاستشهاديين؟ وهل يمكن لإعلامهم الحاقد الذي بدأ يجرّم الشباب الفلسطيني على استعماله السكاكين دفاعاً عن الأقصى ويصفه بأبشع النعوت في فضائيات العار، أن يعقّد هؤلاء الثوار والثائرات ويدفعهم إلى وقف عملياتهم؟

   هؤلاء الشبان والشابات حملوا أرواحهم على أكفهم وفضلوا الاستشهاد بهذه الطريقة على حياة الذل والمهانة وتدنيس المقدّسات، ولن يلتفتوا إلى المتخاذلين والمرجفين والذين تعوّدوا على نصرة الاحتلال ضد الفلسطينيين بعد أن سكنت العمالة دماءهم وأصبحوا مجرد طابور خامس للاحتلال.

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق