كلمة الرئيس

تفاقم المحن والكروب، في فتنة الجنوب أ.د عد الرزاق قسوم

271

  أي شيطان مارد، من شياطين الإنس أو الجن، انفلت من تصفيده، وتحرر من تقييده، فمس أهالينا في الجنوب، بزرع القتل، والدمار بين صفوفهم، وإشاعة الثأر والعار، بإرغام أنوفهم.

 

  لقد تكلست –يشهد الله- الحروف والكلمات في أقلامنا، وجمدت الدماء في عروقنا، وتعطلت لغة الكلام في أفواهنا وحُلوقنا.

 

  إن الذي يحدث في جنوبنا عموما، وفي منطقة غرداية، على الخصوص، لنذير شؤم، يبعث به أعداء الجزائر، وما أكثرهم، إلى ضمائرنا، وحرائرنا، وكل المخلصين في جزائرنا.

 

  لقد تشابكت، الأغراض، والعلل، فالتقت، البطالة والعمالة، والطائفية والحزبية، والعصبية والمذهبية، لتنفخ كلها في نكير الفتنة بالجنوب الجزائري العزيز.

 

  فبعد عين صالح، وورقلة، وتقرت، ها هي الفتنة الكبرى، تستقر، للأسف الشديد، في منطقة غرداية، حيث ترعرع الألم الدفين، وتعفن الجرح المكين، وها هم أبناء الوطن الواحد، والملة الواحدة، يكفر بعضهم ببعض، ويقتل بعضهم بعضا، ويلعن بعضهم بعضا، ولا ندري بأي مذهب يقتدون، ولا على أية فتوى يستندون، ومع ذلك، فهم في الفتنة منغمسون، وبالحقد مسلحون؛ وعلى تخريب الديار مصممون.

  يالله! هل كتب، على جنوبنا الجزائري، وهو الأرض الخصيبة، للعقلاء، والأدباء، والشعراء، والحكماء، أن يتحول إلى مرتع للدهماء، وزارعي الفتن من الأشقياء، والعملاء، والدخلاء؟

 

  كيف فشلنا –جميعاً- وفينا الصالحون، والمصلحون، والعلماء، والمجاهدون، كيف فشلنا جميعاً، ونحن عصبة، في إطفاء نار الفتنة، واستئصال جذورها؟ لئن لم نقض على هذه المأساة، فإنا إذن لخاسرون.

 

  ألا فليعلم الجميع، أن مأساة غرداية، هي جزء من الكل، أي من مشاكل الجنوب كلها، وأن مشكلة الجنوب، ليست بمنأى عن مشكلة الجزائر كلها؛ ألا فليشهد الثقلان، أن ضرب الجنوب، هو جزء من ضرب استقرار الجزائر كلها، فأعداء الجزائر لا يزالون يراهنون على ضرب الاستقرار الجزائري، وعوامل ذلك، متوفرة في مصر، وليبيا، وتونس، ومالي، وغيرها، كي تصبح الطريق سالكة، لتجسيد المخططات الشيطانية..

 

  غير أن ما يؤلمنا حقا، هو وجود القابلية فينا، لهذه العدوانية من جانب أعدائنا، فنحن نوشك أن نوطد لهم أكناف البيت، ونضع لهم السُلّم، كي يتسلقوا.وما السّلّم إلا هذا الانسلاب الفكري والثقافي الذي نعانيه، والفساد الاجتماعي والأخلاقي الذي نحن فيه، وفقدان الوعي بمخاطر الوطن، والتحديات التي تستهدفه، فيما يلاقيه..

  لقد نجح العدو، المتربص بنا، في شل طاقات الذات، وإصابتنا بمختلف الآفات والعاهات، وهي كلها سوء مقدمات لتحقيق ما يقع وما هو آت.

 

  لقد سبق، وأن أعلنا، في أكثر من مناسبة في هذا المستوى من التعليق، أن قضية وادي ميزاب، التي تطل برؤوس فتنتها، في كل آن وحين، غير مستعصية الحل، إن وجدت مخلصين لوطنهم، مؤمنين بربهم، مسلمين في عقيدتهم. بهذه المقومات، كفيلة بأن تجعل كل وطني، مؤمن مسلم، يدوس على النعرة الطائفية، والعصبية المذهبية، في سبيل الوحدة الوطنية، والوحدة الإسلامية…

 

  ولقد أعلنا في أكثر من مناسبة، أننا بدافع من الحيادية الإيجابية، فإننا في جمعية العلماء على استعداد لجمع الفرقاء من إخواننا الإباضية، والمالكية، على طاولة واحدة، بعيداً عن كل أنواع الضغوط في مدينة جزائرية ما، وتدعى إلى هذا اللقاء، كل الفئات الفاعلة في المجتمع، والمنفعلة بنار الفتنة، من الأعيان، والشبان، والفقهاء، والعلماء، لاستئصال الداء، وإيجاد الدواء، والخروج بوثيقة معاهدة تقتبس من عهد الفضول، أو من صلح الحديبية، مع الفارق، يلتزم بها الجميع، التزاماً وتطبيقاً. وإننا، بالموازاة لهذا المسعى، ندعو السلطة إلى التزام المزيد من الحزم، والعدل، والضرب بيد من حديد، على كل من تسول له نفسه المساس بوحدة الوطن، أو سلامة المعتقد.

 

  إن موقف السلطة الحازم، والعادل، والمحايد لهو المقدمة السليمة، لتحقيق النتائج السليمة. كما أن الأعيان والعلماء، من أهالينا، بمالكيتهم وإباضيتهم، مدعوون، هم أيضا، إلى تطهير صفوفهم، من الغلاة، والمتطرفين، والمتشددين، والمتسللين، تحت أغطية مختلفة، فهم يفسدون في المذهب ولا يصلحون.. إن هذا النوع من الغلاة، والمتعصبين موجودون في كل فئة، ولدى كل مذهب، ولا أدل على ذلك من أننا عندما قام وفد من جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، بزيارة ضحايا الانفجار الشنيع، الذي وقع في غرداية، عندما قام الوفد بزيارتهم في مستشفى الدويرة، فوجئنا بمن كتب عن الوفد عبارات نابية، مثل “يقتلون القتيل ويمشون في جنازته”.

 

  وعندما أدنّا، بعض التصرفات التي وقعت على بعض السكان الإباضيين، فوجئنا بمن يتهمنا، بأننا، نغرف من ينبوع واحد، ونرى بعين واحدة، متهمين إيانا بالحول في النظرة، وعدم النزاهة في الحكم.. لذلك يجب الإقرار بوجود التطرف في الجانبين، وأن المائدة الحوارية التي ندعو إليها في مدينة محايدة، ستمكن الجميع من وضع مشاكل الجميع على مشرحة البحث، والعمل معا، على اجتثاث الأسباب العميقة، وإيجاد الحل الجذري للمشكل بكل شجاعة، ونزاهة، حتى نقضي –إلى الأبد- عن هذه الفتنة، التي أصبحت تمثل “عارنا في الجزائر” على حد تعبير الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر.

 

فيا قومنا!

  نحن مطالبون، أكثر من أي وقت مضى، بضرورة النظر، بكل شجاعة، إلى الأمور بمنظار الواقعية التي تحتم على الجميع، السمو إلى مستوى المرحلة المطلوبة في سياقها الوطني، والإقليمي، والاستراتيجي. فليست مشكلة غرداية وحدها، التي تقض مضاجعنا، ولكن بالموازاة، هناك مشاكل الجنوب المتراكمة، ممثلة في البطالة، وانعدام السكن، وتفشي مختلف الآفات كالمسكرات، والمخدرات، والدعارات، وهي كلها مفاتيح شر، لبؤر الفتن والضر.

 

  فلنعمل بالموازاة مع درء فتنة غرداية والقرارة وبريان، على تحصين شبابنا في الجنوب، وهو صاحب الذات الهشة، من هبوب سموم الأفكار الهدامة والدخيلة التي تنخر جسمه، وتفسد عقله، وتنهك روحه.

 

  إن فتنة الجنوب، بكل مكوناتها، هي التي صنعت اعتصام عين صالح، ومظاهرات ورقلة، ومطالب تقرت، ومحنة وادي ميزاب، ولابد من التصدي للكل، حتى لا تنتقل –لا قدر الله- إلى أماكن أخرى من الوطن، فيتسع الخرق على الراقع، ولاة حين مناص.

حمى الله وطننا من كل الآفات، ودعوة إلى تكاتف، وتعاون، ووعي كل الآفات..

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق