كلمة الرئيس

تأملات في ظلامية الطلسم الليبي أ.د عبدالرزاق قسوم

27013  شهد الله، والملائكة، وأولوا العلم، وكلّ المنصفين من النّاس، أنّ الإنسان الليبي عنصر طيّب وسليم، وأنّ شعبه الليبي سخيّ وكريم. فهو أصيل في عروبته، وعريق في عقيدته، وسمْح  في أخلاقه ومعاملته.

   فلئن سطت عليه العوادي، وتداولته الأيادي، وتربّصت به الأعادي، فما ذلك بالذي غيّر سحنته، ولا بالذي بدّل شحنته، وإن ضاعف محنته، وعمّق لوعته.

  جثم على صدر الشعب الليبي ظلم القريب، وكيد الغريب، فلغّم عرينه، وكتم أنينه، حتى طفح الكيل، وفاض السيل، فلم ينقشع الليل، ولم يختفِ العويل والويل.

  لقد حسبت النّاس أنّ ربيعًا ليبيًا مزهرًا قد أزهر، وإنّ ليلاً مظلمًا قد أدبر، وإنّ شعبنا الشقيق في ليبيا قد أشرق نور صبحه، وغرُب شؤم قبحه، فدقّت ساعة الترميم والبناء في ظلّ النّعيم والإخاء.

ولكن يبدو أنّ ليل ليبيا الدّامس الحالك قد أسفر عن فجر كاذب، وعن ظلامية طلسم موارِب. فقد دبّت الجفوة والعقارب، بين الإخوة والأقارب، فحرّكت فيهم النّعرة القبلية المقيتة، وكنّا نظّن أنّها قد وُئِدت وأحيت في صفوفهم الطائفية المميتة، وكنّا نحسب أنّها قد قبرت.

فيا ويح أمّتي، من هذا السلب بعد العطاء! ومن داء الفرقة والشتات بعد ثورة التآخي والإباء!.

ماذا دهى شعبنا العربي المسلم في ليبيا، حتى أصبح يتحاور بالرّشاشات والمدفعيات، وينام ويصحو على أزيز الطائرات والتفجيرات؟.

مَن يقتل مَن في دولة ليبيا؟ ومن يغتال من في جمهورية ليبيا؟ وعلام يتقاتلون؟ فليس في ليبيا فقر مدقع حتى تقعقع الأسلحة من أجل إزالته. وليس بين أبناء ليبيا ثارات وعداوات حتى تصفى بالاغتيال والتفجير.

اللّهم إنّنا نبرأ إليك مما يفعله أبناء ليبيا بليبيا! ونعيذ أبناء ليبيا بالله أن يتمادوا في غيّهم، أو أن يعودوا إلا ظلالهم القديم. فليبيا غنيّة تُطعِم كلّ فم. وليبيا شاسعة الأطراف تتسع لكل ليبي وغير ليبي، وقبل هذا وبعد هذا، فالشعب الليبي مسلم وإلى العروبة ينتسب.

إنّ مأساة الطلسم الليبي، قد نسج خيوط ظلاميته الجار قبل ابن الدار، ولكنّه وَجد في ابن الدار القابلية للضعف فتمكّن والاستعداد للتمكين فتحصّن، وهاهم الليبيون عن جهل أو عجز أو خيانة يخرِّبون بيوتهم بأيديهم وأيدي أعدائهم.

وأين –إذن- حرائر وأحرار ليبيا مما يُسام من الخسف والهوان، وما يراد من تخريب وتهريب ضدّ ليبيا؟.

لئن كنّا نسلّم بأنّ العقود الأربعة التي جثمت بكلكلها على شعبنا الليبي، فعملت على ترويضه، وقضت على إمكانيات تخصيبه، وتبييضه، قد فعلت فعلتها فيه، وإنّنا نؤمن أيضًا بأنّ الظلم عامل من عوامل الإنهاض، وإنّ التّحدي حافز من حوافز التّصدي، أثبت ذلك الشعب الجزائري العربي المسلم الذي ران على قلبه أبشع أنواع الاستعمار طيلة القرن والنيّف، فكان ذلك مدعاة لأعظم ثورة تحريرية في القرن العشرين.

وأثبتت ذلك شعوب كثيرة في مقدمتها الشعب الليبي، الذي قدّم القوافل من الضحايا، والشهداء، وكلّلت تضحياته بالتحرير والتغيير.

وعلى العكس مما حدث في الجزائر الغيور شعبها على ثورته، والذي استطاع رغم كلّ ألوان الكيد والصيد، في الداخل والخارج، استطاع أن يحافظ على وحدته، وعلى عدّته، وأن يدفع من أجل استقراره الثمن الباهظ، فإنّ الإخوة في ليبيا لم يستخلصوا الدرس، وهاهي مؤسسات ليبيا تُفجّر، وأموالها تُبعثر، وأرواح ثوارها وأحرارها تُهدر، فهل نستسلم لعبث العابثين بليبيا في الداخل والخارج؟ وهل تذهب تضحيات أبناء ليبيا الذين قضوا في عمر الزهور هباء؟ وقد كان حلمهم تخليص ليبيا من الاستبداد والانسداد؟.

إنّنا بالرغم من كلّ ما حدث ويحدث من تدمير وتفجير في ليبيا، لا يزال الأمل يحدونا في أن الطيّبين المؤمنين بالوطن الليبي وهم كُثر وفي أكثر من موقع سوف يهبون لإنقاذ بلادهم من براثن العابثين والمتربّصين بليبيا في الداخل والخارج.

وليثق أبناء وبنات ليبيا أنّ وثبة الأحرار، ستجد لها فعلاً وردّ فعل قوّي، وأنّ صيحة الأحرار لها في كلّ قلب مئذنة.

إنّ ما نلّح عليه في هذه الفترة العصيبة من عمر ليبيا، وهذه المرحلة الحرجة من تاريخها أن تتجند تجنّدًا أكبر، وتوّحدًا أقوى، وخاصّة وعيا أعمق، لمواجهة التحدّيات وما أكثرها…

 يجب أن يدرك الجميع، أنّ ليبيا الغنيّة بكنوزها، القوّية برموزها، هي أمانة عمر المختار، والمجاهدين المخلصين في عنق كلّ ليبي، وكلّ ليبية، فلئن تركت ليبيا لأطماع الطامعين، وعبث العابثين، يضربون مواطن العفّة فيها، ويقضون على معالم الحيوية في وجودها واستقرارها، لئن تحقق ذلك –لا قدّر الله- فإنّا إذن لخاسرون.

إنّ القضاء على ظلامية الطلسم الليبي لن يتّم بتعاويذ الرّقاة، ولا بأحكام القضاة، ولا بمنجنيق الرّماة، وإنّما يستأصل الطلسم بتعبئة الدعاة، ووعي الأباة، وتكاتف الجهود والتضحيات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى