مختارات أدبية

شتان بين نظرتنا للتعليم ونظرة الآخرين إليه… أ. أمال السائحي

شاطئ الفيروز مدرسة ابتدائية، بالحمامات بالجزائر العاصمة، كان أول ما تعرفت عليها بدخول طفلي في أول سنة تحضيري من عام 2013، وفي هذا المقال ليسا ذما أو استحسانا لهاته المدرسة أو تلك، ولكن هي حقائق يعيشها قطاع التربية والتعليم، والذي ما يزال لم يتعلم من أخطائه بعد عبر كل هذه السنوات، والتي نراها تتجدد في كل عام، وهي تؤدي إلى إثارة مشاكل جمة للأسر الجزائرية، حتى أنها لا تكاد تخرج من مشكل إلا لتقع في مشكل آخر ….
الكل يعلم أن مرحلة الطور الابتدائي هي أولى سنوات التعلم، وهي الركيزة الأساسية، وإن أهمية هذه المرحلة الابتدائية، مردها إلى كونها البداية الحقيقية لعملية التنمية الفكرية، وبلورة العقل التعليمي لمدارك الطفل في هذه السن، وإكسابه الوسائل الأولى لاكتساب المعرفة، والمهارات المختلفة من قراءة وكتابة وعلوم متنوعة ونشاطات أخرى، فالطفل في هذه السن يدخل الى المدرسة ولديه الكثير من المهارات والمواهب، التي تعلمها واكتسبها من البيت، أو من البيئة التي يعيش فيها، وبمجرد دخوله إلى المدرسة يأتي دور المعلم، الذي يصقل تلك المواهب والمهارات، بمحاولته الدائمة لتنميتها وزيادة قدرات الطفل الإبداعية.
إن الطفل في هذه السن بحاجة ماسة الى من يوجهه، ويغرس في نفسه حب المدرسة أولا، والقراءة والكتابة ثانيا، وفي هذه المرحلة أيضا يكتشف الطفل نفسه، ويشعر بشخصيته وكرامته، ونحن نلاحظ ذلك عليه، فهناك الكثير من الأطفال يتأثر نفسيا عندما يعامل بخشونة أو بقسوة من قبل المعلم، أو من التلاميذ أو حتى من البيت…
إذن المدرسة هي البيت الثاني للتلميذ، فإذا ما كان هناك خلل في التنظيم أو المنهجية المعتمدة إلا وتجده يتأثر بذلك لا محالة…هذا ما أردنا أ ن نقوله عن عينات من المدارس الجزائرية…فإذا لم يجد الطفل معلمه في اليوم الأول، وبرنامجه المسطر، و منهجا دقيقا واضحا، أو اكتظاظا، أو سوء التسيير، أو دروسا حشوها الأخطاء اللغوية والمعرفية، كما سبق لي أن وضحت ذلك في مقالي السابق بجريدة البصائر حول الكتاب المدرسي والأخطاء اللغوية في اللغة العربية، وبتر بعض النصوص في التربية الإسلامية، كل ذلك وأكثر تعيشه المدارس الجزائرية..ومن المدارس كذلك ما يحتاج إلى ترميم فوري حتى لا تقع على رؤوس المتعلمين فيها…
ورغم كل هذا وذاك يضرب بعرض الحائط بكل ما ذكرناه، وتستضيف هذه المدرسة “شاطئ الفيروز”، تلاميذا من مدرسة أخرى هي أكثر منها تضررا، بسبب التخوف من سقوط الدرج الذي يصعدون عليه، مما تضطرها إلى تعديل مواقيت التلاميذ الأمر الذي سبب إرباكا للتلاميذ الأصليين وأسرهم، أي أن مديرية التربية حلت مشكلة وأثارت مشاكل أخرى…
إذن فلينظر القارئ، لما يؤكده خبراء التربية على أهمية المرحلة الابتدائية للطفل في هذه السن، لأننا لو تمكنا من بناء طفل في هذه السن يكون البناء أسهل في المستقبل عندما يتقدم الطفل في العمر، وتكون المردودية العلمية أكثر بكثير، وأشد إيجابية …
وقد صدق الأستاذ السائحي فيما ذهب إليه في مقاله السابق، الذي نشره في جريدة البصائر تحت عنوان:”هل تمتلك الجزائر مفتاح الإقلاع الحضاري…؟” حيث يقول:” ولهذا نؤكد أنه بات من الضروري للجزائر أن تولي اهتماما جديا للتعليم، وأن تنظر إليه باعتباره أهم أدوات الإقلاع وأن ترصد له ما يحتاج من أموال ووسائل وكفاءات، وعليها أن تتيقن أن التعليم الجيد، هو المفتاح الذي يشغل محرك الإقلاع الحضاري في أي مجتمع كان، كذلك كان في الماضي، وكذلك هو في الحاضر، وسيبقى كذلك في المستقبل…”.
وأختم مقالي بنموذجين من التعليم في الغرب، ليس أننا نصغر خدنا، ولكن هم يعترفون بأخطائهم ويحاولون الإصلاح في كل مرة، ونحن لا نعترف بأخطائنا، ولا نريد من يصلحها لنا …
نبدأ بالتعليم في تشيكوسلوفاكيا لنتأكد أكثر عندما نعلم أن التعليم في تشيكيا يتفوق على التعليم في دول كبيرة تجاورها مثل ألمانيا و النمسا، و هذا ما يدفعنا لمعرفة شيء عن نظام التعليم في تشيكوسلوفاكيا .
التعليم الإلزامي
حدث مد وجزر في عملية تقرير سنوات التعليم الإلزامي وذلك بسبب الحكم النمساوي للبلاد، وما خلفه من اختلاف في الاتجاهات و الأفكار التربوية، لكن ومنذ عام 1990م قررت وزارة التربية والشباب التشيكية سنوات الدراسة الإلزامية بتسع سنوات، منها خمس للمرحلة الابتدائية، و أربع لمرحلة الثانوية الأولى ، وكل أسرة مسؤولة عن تسجيل ابنها أو ابنتها في هذه المرحلة من التعليم ،ويتعرض رب الأسرة للمساءلة في حال إهماله في إلحاق أبنائه بالتعليم في هذه المرحلة، وتفرض عليه غرامة، و عند تكرر ذلك منه يحاسب كمن ارتكب جناية.
وهذه رغداء زيدان تقول في مقال لها بعنوان “أمريكا في خطر ونحن في خطل”
يعتبر التعليم الحديث والمتطور هو المصدر الأبرز من مصادر قوة أمريكا فبفضل البحوث العلمية والدراسات والمكتشفات صارت أمريكا أكثر البلاد تقدماً على كافة المستويات: الاقتصادية والعسكرية والمعلوماتية. ومازال نظامها التعليمي مرجعا ونموذجا لدول العالم الأخرى، وماتزال أمريكا تحتفظ بأسرارها العلمية والتكنولوجية، والتي تعد أمضى أسلحتها على الإطلاق، وتشير التقديرات أن الولايات المتحدة ستحتفظ بقيادة العالم على مدى ثلاثين عاماً قادمة على الأقل، قبل أن تظهر قوة أخرى تنافسها على هذه الزعامة.
وإذن فالتعليم هو فعلا مفتاح أساسي لأي إقلاع حضاري، وإذا كان الأمر كذلك أما يتوجب علينا أن نكون أكثر جدية في العناية بشؤون التعليم في بلادنا…؟

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق