أركان خاصةمختارات أدبية

خبران عن العرب

44    لم يكن اصطفاء العرب ليكونوا ولد إسماعيل عليه السلام عن تفضيل عرقي، ولكن كان عن تكليف بحمل الرسالة الخاتمة إلى الإنسانية، لذلك  كانت فيهم مسؤولية خالدة يسألون   عنها ما كان الفلكان وما أضاء القمران.

  ولكن انشعبت بالعرب دوائر الزمان فصاروا من عهد قديم حجّة على أنفسهم ومضغة لغيرهم، فلا هم يحفظون ماضيهم التليد ولا هم يشرئبون  إلى غد مجيد، ولذلك هم بين خبرين اثنين:

  أحدهما يسجل خطاياهم التي كانوا عليها قبل أن يعرفوا قيم الاسلام وسنن الهداية، وليس أبلغ من وصف جعفر بن أبي طالب حين قال يخاطب النجاشي : “أَيُّهَا الْمَلِكُ كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ وَنَقْطَعُالْأَرْحَامَ ونسيء الْجِوَارَ يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ” فأثبت للجاهلية المعنى الديني وهو عبادة الأصنام، والمعنى الأخلاقي وهو أكل الميتة وإتيان الفواحش، والمعنى الاجتماعي وهو قطع الأرحام وإساءة الجوار ثم المعنى السياسي وهو اذلال القوي للضعيف. ويعضدها ما روي عن الامام علي بن أبي طالب في نهج البلاغة يصف العرب قبل البعثة: “كنتم على شرّ دين وفي شرّ دار، منيخون بين حجارة خشن وحيات صمّ، تشربون الكدر وتأكلون الجشِب، تسفكون دماءكم وتقطعون أرحامكم، الأصنام فيكم منصوبة والآثام بكم معصوبة”. وفي القولين مسغبة توجب غصّة في الحلق وآلاما في القلب حين يكاد يرى أمر العرب قد عاد كما كان من قبل، دار دار اقتتال وفعالهم فعال ختال واقوالهم أقوال محتال وعزّهم إلى زوال.

  والثاني حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتح بابا للأمل فقد جاء في كتاب الشفا “عن واثلة بن الأسقع  قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم “، فترجع بعض الروح إلى الحشاشة تستزيدها من القول الكريم الذي يجعل الاصطفاء مبدأ ثابتا ويجعل التكليف أمرا واجب التنفيذ. وقد هُدِي الامام عبد الحميد بن باديس إلى ما رآه يقينا بشأن العرب فقال “إنّ العرب مظلومون في التاريخ وإنّ القرآن الكريم هو من أنصفهم حين سجّل منجزاتهم الحضارية في سبإ وثمود وعاد”.

  ولكنّ الناس لا يعرفون عن العرب إلاّ معاني الطيش والسفه والصعلكة، فأيّ الخبرين أقرب إلى التصديق؟

  من ينظر إلى أيام العرب قبل البعثة يجدها قبائل منشعبة وحروبا دائرة وسبيا متواصلا ولهوا عابثا وأصناما صلدة، ومن ينظر إليهم بعد البعثة يلفيهم أهل إيمان وتوحيد وفتح وتشييد وعلم سديد وخلق سعيد وعيش رغيد.

  وإنّ زمانهم الحاضر لا ينبئ إلاّ بأنهم كالغثاء الممجوج أضلّ من يأجوج. ولكن من يستعصم بدواعي الاصلاح والتغيير ليجدنّ العالم فقد رشده لما تخلى العربُ عن رسالتهم، وكما كانت بعثة أولى فإنّ الانسانية أشدّ حاجة إلى بعثة ثانية، ولا يتسع الأمر إلا إذا ضاق.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى