غير مصنف

الاستفتاء على الدستور الجديد..خطوة لتأزيم الأزمة./أ.عبدالحميد عبدوس

عبدوسوسط لوثة سياسية من جوقة الموالين، واستباحة أمنية لجموع المتظاهرين، وزفّة إعلامية حكومية وخاصّة، تبشّر باكتساح التصويت بـ”نعم” على الدستور حتى قبل إغلاق مكاتب الاقتراع، وظهور نتائج الاستفتاء، ازدادت مصر انقساما وازدادت الآلة القمعية للسلطة الانقلابية ضراوة وسفكًا لدماء المعارضين، وكان الهدف المرسوم للاستفتاء الدستوري هو إلغاء شرعية الرئيس المعزول محمد مرسي، وتمهيد الطريق لقائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي لأن يكمل جميله بأن يستلم حلة الفرعون الجديد لمصر.

ولم يخْفِ الرئيس المؤقت عدلي منصور الذي نصّبه الفريق أوّل عبد الفتاح السيسي في وظيفته الرئاسية المؤقتة المقصود من العملية الانتخابية بقوله: “التصويت واجب وطني يجب أن يؤدى وهو غير موّجه للدستور فقط ولكن لخريطة الطريق ومستقبل مصر”.

ولذلك كان من المبرّر بالنسبة للسلطة الانقلابية سحق كلّ من يقف في وجه هذا المسعى، فقد وصل عدد الضحايا في اليوم الأوّل من الاستفتاء على الدستور إلى 11 قتيلاً، وتواصل القمع والقتل في الأيّام الموالية دون وازع ديني أو رادع قانوني أو تنديد دولي!.

المتحدِّث العسكري المصري وصف الإقبال على الاستفتاء الدستوري بأنّه غير مسبوق في تاريخ الاستفتاءات، وأكّد أنّ عملية الاستفتاء تمّ تأمينها بواسطة 400 ألف من رجال وشباب الجيش والشرطة.

لقد تمّ توجيه أكثر من ثلث القوات المقاتلة المصرية (160 الف جندي وضابط) لتأمين عملية الاستفتاء، وكأنّ العدو الأوّل لمصر يتمثل في المعارضين أو الرافضين للاستفتاء على الدستور الجديد.

عملية الاستفتاء على الدستور وصفها الإخوان المسلمون بأنّها “سرقة للشرعية وجريمة لن تمرّ”.

وقد سجّلت منظمة الشفافية الدولية إقدام سلطات الدولة المصرية على قمع معارضي التعديلات الدستورية، كما انتقدت فرض الحكومة المصرية لقيود عديدة على الكثير من الأنشطة في فترة ما قبل الاستفتاء مما لم يؤد إلى مناخ عادل لعرض كلّ وجهات النظر المتنوعة، ولم يكن الاستفتاء حرًا ولا نزيهًا وفق المعايير الدولية حسب تقييم منظمة الشفافية الدولية.

وفي الوقت الذي كانت فيه أغلب وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة المصرية إضافة إلى مسؤولي الأزهر والكنائس المسيحية، وبعض خطباء المساجد يوّجهون الناخبين للتصويت بنعم في الاستفتاء، كانت الشرطة تطارد وتلقي القبض على كلّ من يعلّق ملصقة أو يوّزع منشورا يحمل عبارة “لا للدستور” وهذا ما جعل الإعلامي الساخر “باسم يوسف” الذي عرف بمعارضته الشديدة لحكم الإخوان المسلمين يكتب في جريدة (الشروق) المصرية: “ما نعيشه الآن من هستيريا وتخوين كلّ رأي مخالف –يجب أن يتوقف فأنا لا أفهم كيف نروِّج لمفهوم الديمقراطية ثم نقبض على كلّ من يقول “لا للدستور” لماذا إذن طبعنا بطاقات فيها نعم ولا؟”.

ومع ذلك فقد وصف أحد زبائن النظام الانقلابي المصوتين في الاستفتاء على الدستور: “بأنهم مقاتلون ضحوا من أجل وطنهم في ظلّ تهديدات جماعة الإخوان المسلمين!”.

وحتى الرئيس المخلوع حسني مبارك أبدى رغبته في المشاركة في هذا الاستفتاء الدستوري، وبعث رسالة إلى رئيس اللجنة العليا للانتخابات يطلب فيها منه أن يمكنه من الإدلاء بصوته في مقر تواجده بالمستشفى العسكري (حتى لا تفوته هذه المناسبة الوطنية العظيمة)، كما لم تمنع نزلة البرد التي أصابت شيخ الأزهر من الذهاب إلى مكاتب التصويت لإسقاط دستور الإخوان الذي أيدّه غالبية الناخبين المصريين في سنة 2012م.

لا يمكن تصوّر قطف ثمار الديمقراطية والإصلاح المؤسساتي من دستور يأتي على جثث معارضين ويصادر حقوق المطالبين برفضه، وليس من المستبعد أن تتحوّل فلول المؤيدين للدستور الجديد اليوم إلى معارضين له ومنتقدين لطريقة تمريره إذا دارت الأيام وتفرقت المصالح، ولذلك فإنّ الكاتب الإعلامي جمال سلطان رئيس تحرير صحيفة “المصريون” قد أدرك حقيقة المشهد المصري بكل أبعاده الحاضرة وامتداداته القادمة، عندما قال: “بنية الدولة المصرية ما زالت على رمال متحركة منذ انتصار ثورة يناير، وحتى الآن، ولا يمكن أن تترسخ أعمدتها ودستورها وقانونها ومؤسساتها إلا إذا تمّ تدشين مصالحة وطنية جادّة وحقيقية، تفكك وتصفي ملفات الدّم والنار في السنوات الثلاث الماضية بكلّ حقائقها المفجعة، وتفتح طريقا لشراكة وطنية إيجابية وسلمية لبناء مستقبل يليق ببلدنا”.

هذه هي حقا البداية الصحيحة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى