البصائرمقالات مختارة

مختصر تفسير ابن عاشور

المحكم من الآيات هو الذي اتضحت معانيه بحيث يمكن أن تتمكن منها أفهام معظم المخاطبين بها، فهي أصل القرآن المرجوع إليه في حمل معاني غيرها من المتشابه عليها، فالفرق بين المحكم من الآيات والمتشابه مرجعه إلى مقدار الوضوح والخفاء.

ولجمهور المفسرين مذهبان: أولهما: المحكم ما اتضحت دلالته، والمتشابه ما استأثر الله بعلمه، والثاني أن المحكم هو الواضح الدلالة، والمتشابه ما خفي معناه مثل الألفاظ المجملة والمؤولة، أما المحكم فمثل النص بمعناه الأصولي الذي لا يحتمل إلا معنى واحدا والظاهر، وهو ما يتبادر معناه إلى الذهن بداية.

ويرى الشاطبي أن التشابه نوعان: حقيقي وإضافي، فالحقيقي هو الذي لا يفهم معناه ولا سبيل إلى ذلك، وهو المقصود عنده من هذه الآية، أما الإضافي فهو الذي اشتبه معناه ويحتاج إلى مراعاة دليل آخر، فإذا تقصّى المجتهد أدلة الشريعة فإنه يجد ضمنها ما يوضح معناه ولذلك فإن التشابه الحقيقي قليل جدا في الشريعة، والإضافي يكثر وجوده.

أما الآيات التي تشير إلى أن القرآن كله محكم كقوله تعالى:{كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ}(هود/1) فالمراد بالإحكام فيها هو الذي أحكم نظمه وأتقنت بلاغته، وكذلك الآيات التي تشير إلى أن القرآن كله متشابه كقوله تعالى:{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً}(الزمر/23) ومعنى التشابه في هذه أنه متشابه في الحسن والبلاغة والحق، فتماثله في هذا المجال هو معنى التشابه.

فما هو سبب ورود التشابه في القرآن؟

السبب هو كونه دعوة وتعليما وتشريعا وموعظة ومعجزة، جاء ليخاطب قوما لا عهد لهم بالتعليم والتشريع، فكان أسلوبه يناسب حال المخاطبين الذين لم يعتادوا الأساليب التعليمية، والأسلوب السائد عندهم الخطابة والقول المتناثر، ولذلك لم يأت القرآن على أساليب الكتب المؤلفة للعلم، أو أسلوب القوانين التشريعية فإنك تجد التشريع موزعا على حسب ما تقتضيه الدعوة والموعظة ليخفّ تلقيه على السامعين، وليعتادوا علم ما لم يألفوه، في أسلوب قد ألفوه، فكان التشريع مثلا متفرقا فيه، يضم بعضه إلى بعض بالتدبر والنظر إلى مجمل آياته في نسق كلي، كما أن ورود هذه الآيات والأحكام في زمن طويل يزيد على عشرين سنة بمقدار ما تدعو إليه الحاجة وتتحمله أفهامهم.

وقد تعرض القرآن لعلوم عليا مثل علم ما بعد الطبيعة، وعلم النفس، والحكمة، وعلوم الحقوق، كل ذلك اقتضى تشابها في المدلولات والمضامين مع قصور استعداد أفهام عامة الناس المخاطبين بها، فإذا جاء من بعدهم علموا أن ما عدّه من قبلهم متشابها هو محكم.

وكذلك فإن من مقاصد القرآن أمران: أحدهما كونه شريعة دائمة، وهذا يقتضي أن تكون عباراته مفتوحة لمختلف الأفهام، وطرق الاستنباط حتى تؤخذ منه أحكام للمتقدمين والمتأخرين ممن يجيء بعدهم، وثانيهما: تعويد حملة الشريعة وعلمائها في مختلف أطوار الأمة على البحث واستخراج المقاصد من أدلتها لتكون طبقات علماء الأمة مستعدة في كل زمان ومكان لفهم تشريع القرآن ومقاصده، وتكون لهم قدرة على استنباط الأحكام لما يستجد من وقائع ونوازل، من أجل ذلك كانت عبارات القرآن لها صلاحية لاختلاف طرائق المجتهدين.

بين ابن عاشور مراتب التشابه وتفاوت أسبابها، وحصرها في عشرة:

1- معان قصد إجمالها في القرآن إما لعدم قابلية البشر لإدراكها أو عدم قابلية بعضهم لفهمها في عصر ما من العصور، من ذلك أحوال يوم القيامة، وبعض صفات الله مثل الإتيان في ظلل من الغمام، والرؤية والكلام.

2- معان قصد إشعار المسلمين بها وتعيّن إجمالها مع إمكان حملها على معان معلومة عن طريق التأويل كحروف أوائل السور، والاستواء.

3- معان عليا تضيق اللغة الموضوعة عن الإيفاء بحقيقتها فعبر عنها القرآن بأقصى ما يقرب معانيها إلى أفهام البشر، وذلك مثل صفات الله مثل نور السماوات والأرض، الرؤوف، الرحمن.

4- معان تقصر عنها الأفهام في بعض العصور ليكون وجودها معجزة قرآنية عند أهل العلم في عصور أخرى مثل قوله تعالى:{وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا}(يس/38)، وقوله: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ}(الحجر/22).

5- كنايات ومجازات مستعملة في لغة العرب إلا أن ظاهرها يوهم معاني لا يليق حملها في جانب الألوهية، لإشعارها بصفات تخالف كمال الألوهية، وتوقف بعض العلماء في محملها تنزيها للألوهية، مثل{فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}(الطور/48) ومثل{وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ}(الذاريات/47).

6- ألفاظ من لغات العرب لم تعرف لدى قريش مثل {وَفَاكِهَةً وَأَبّاً}(عيسى/31).

7- مصطلحات شرعية لم يكن للعرب عهد بها كالتيمم والزكاة.

8- أساليب عربية خفيت على أناس فظنوا أنها من المتشابه مثل قوله تعالى:{يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ}(النساء/142) وهو المجاز الذي يسمى المشاكلة.

9- آيات جاءت على عادات العرب فأدركوا معناها في ذلك العهد، وجاء من بعدهم فلم يفهموها، وظنوا أنها من المتشابه مثل{فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا}(البقرة/158) وشرح ذلك الحديث الذي رواه مالك في الموطأ في الكلام الذي جرى بين ابن الزبير وعائشة رضي الله عنهما.

10- أفهام غير صحيحة ذهبت إلى آيات كثيرة وعدتها من المتشابه، وما هي منه، كما ذهبت إلى ذلك الباطنية والمشبهة كقوله تعالى:{يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ}(القلم/42) أما الذي صرح القرآن بأنا لا نصل إلى فهمه فليس من المتشابه كقوله:{وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}(الإسراء/85).

وكذلك ما صرح بأنه يجهل وقته عندنا كقوله:{لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً}(الأعراف/187).

وأساس التشابه عدم التواطؤ بين اللغة والمعاني إما لضيقها عن المعاني، وإما لضيق الأفهام عن استعمال اللغة في المعنى.

 ____

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى