كلمة الرئيس

فقه المواطنة بين الجامعة والملعب/أ.د عبد الرزاق قسوم

GUESSOUM5-150x143لقد منّ الله علينا بأن جعلنا نعيش حدثا ثقافيًا، جامعيًا، بالغ الأهمية في عاصمة الأوراس الأشمّ، مدينة باتنة الجميلة بجغرافيتها، والجليلة بتاريخيتها.
كان ذلك يومي الثامن عشر والتاسع عشر من سيّد الشهور نوفمبر، ملبين دعوة كريمة من عميد كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية والعلوم الإسلامية، بجامعة الحاج الأخضر الرمز، للمشاركة في الملتقى الدولي السادس حول موضوع “فقه المواطنة في الفكر الإسلامي المعاصر”.
لقد استقطب هذا الموضوع الضارب بعمق في واقع فكرنا الإسلامي اليوم، ثلة من الباحثين الجامعيين في جزائرنا الحبيبة، ومن وطننا العربي الكبير مشرقا ومغربًا، فغصّت القاعة الجامعية الأوراسية على سعتها بهِمْ وبالأساتذة والطلبة والطالبات، على سعتها، فانتظم عرس فكري، تميّز بحسن الاستقبال، ودقّة التنظيم، وسمو الأداء، فأضاف حلقة جديدة في عقد الملتقيات المضيئة التي عودتنا عليها هذه الجامعة العتيدة.
وُفِق القائمون على الكلية –إذن- في اختيار الموضوع لأنّه الموضوع الذي يَشرَح فيجرِح واقع المواطنة في الأمّة العربية التي تعاني اليوم أزمة وطنية وأزمة مواطنة… كما وُفِقوا في تنويع المشاركين الذين ساعد انتماؤهم الإقليمي على نقل تجارب خصيبة من معاناة كلّ شعب لممارسة المواطنة.
ويمكن القول، تأكيدًا لذلك، بأنّ مفهوم المواطنة يمكن استلهام مدلوله في لغتنا العربية من صياغة الوزن اللغوي له الذي هو المفاعلة؛ فالمفاعلة تعني تفاعل عناصر عديدة هي: الوطن، والمواطن، وما بينهما من قوانين، ومعتقدات، وإيديولوجيات تتحكم كلّها في ترجمة سلوك فقه المواطنة.
إنّ أسّ المواطنة هو المواطن، والمقصد هو الوطن، والأداة أو المنهج هو القوانين، فالمفاعلة تعني الانفتاح أي التساكن داخل الوطن الواحد، بين مجموعه من المتساكنين أو المواطنين بلغة العصر، وهو ما يتطلب تعاونًا وانفتاحًا، وتفاعلا بين الحقوق والواجبات خدمة للوطن، وتجسيدًَا للمصلحة الوطنية المشتركة.
فإذا انتقلنا من التدليل اللغوي للمواطنة إلى التأصيل الفكري لهذا المفهوم، أمكن التساؤل: هل أنّ فقه المواطنة مصطلح دخيل على ثقافتنا أم أنّه أصيل يضرب بعمق في جذور الثقافة الإسلامية؟.
قد لا يجد الباحث المتمرّس عناء في التأصيل لفقه المواطنة داخل الفكر الإسلامي… فالواقع والنصوص من الكثرة بحيث تسعفه كلّها في التأكيد على خصوبة المعايشة لفقه المواطنة. فصلح الحديبية، ووثيقة المدينة، وخطبة الوداع، وأصول الحكم المستقاة من خطبة أبي بكر الصديق في سقيفة بني ساعدة، هذه وغيرها تمثل كلّها معالم على طريق فقه المواطنة، وترسم لنا منهجًا دقيقا وعميقا لتجسيد الوطنية.
وإذن فإنّ موضوع فقه المواطنة يمثل معادلة تقوم على الفقه بمفهومه اللغوي الذي هو الفهم، وعلى مفهومه الاصطلاحي الذي هو التعبد والمعاملة، فإذا علمنا أنّ الفقه هو –كما يقول محمد عابد الجابري الفيلسوف المغربي- هو أعدل العلوم قسمة بين المسلمين، وأنّ المواطنة هي أداء الواجبات وصيانة الحقوق أدركنا أهمية الموضوع وخطورته في فقه الحياة السياسية والاجتماعية، وكل ميادين الحياة العامة، والحقيقة أنّ كوكبة العلماء والباحثين سواء من داخل الوطن الجزائري أو خارجه، قد بدلوا كلّ جهد في تبسيط الموضوع، وإضفاء الطابع العلمي عليه.
فقد استوقفتنا على سبيل المثال بعض المعالم في محاضرات الباحثين، من ذلك ما نبّه إليه الأستاذ الدكتور عمار طالبي فيما سماه منسوبًا إلى أحد المفكرين إنتاج الضياع، الذي يتجلى في المطالبة بالحقوق، وعدم القيام بالواجب.
كما أنّ مداخلة الأستاذ الدكتور عبد الحق حميش الباحث الجزائري العامل بجامعة الدوحة بقطر، تميّزت بمنهجية إسلامية واضحة انطلقت من التعريف بالمواطنة بحالة نفسية تعكس العلاقة بين الوطن والمواطن في ظلّ المفهوم الإسلامي على اعتبار أنّ الإسلام دولة للناس أجمعين، يعيش الجميع في ظلّه.
أما الأستاذ الدكتور سلطان شاهين، من جامعة طيبة بالمملكة العربية السعودية، فقد خلص في محاضرته إلى نتيجة هامّة هي أنّ الوطن في الإسلام والوطنية هي المكان المحدود الذي ينتمي إليه الإنسان، فليست الوطنية هي المفهوم الغربي الذي يعلو على المعتقد، والإنتماء الديني مستدلا على ذلك بقول الشاعر الحداثي:
بِلادُكَ قَدَّمْها على كُلِّ مِلَّةٍ ومن أجلِها افطِرْ ومن أجلِها صُم
سَلاَمٌ عَلَى كُفْرٍ يُوَّحِدُنَا وَأَهْلا وسَهْلا بَعْدَهُ بِجَهَنَّمِ
وعلى نفس المنوال، وبمنهج مغاير سار الأستاذ الدكتور صالح المسلوت من جامعة الأزهر بجمهورية مصر العربية الشقيقة، والأستاذ الدكتور عبد الهادي الخمليشي من دار الحديث الحسنية بالمملكة المغربية الشقيقة، وغير هؤلاء من الأساتذة من فلسطين العزيزة، ومن تونس الشقيقة، فكلّهم تباروا في تقديم الأفضل، لتجسيد معنى المواطنة نظريا.
وشاء الله أن يقترن هذا الحدث العلمي الجامعي الهام، بحدث وطني آخر هام على الصعيد الرياضي تمثل في مباراة التأهل لكأس العالم بين الفريق الوطني الجزائري وفريق بوركينافاصو.
فلئن كان الحدث الجامعي العلمي سموا بفكر المواطنة على الصعيد النظري، فإنّ الحدث الرياضي ….. قد كان سموا بفقه المواطنة على الصعيد العملي، حيث تزيّنت مدينة باتنة بلادًا وعبادًا بالأعلام الوطنية، كتعبير عن الانتماء الوطني في ساحة اللعب، والتعبير عن فقه المواطنة بالأهازيج، والأغاني، والإيقاع بجميع الألوان.
فما الذي يمكن استخلاصه –إذن- من التنظير للمواطنة في الجامعة والتجسيد لها في ساحة الملعب؟.
إنّها المعادلة التي يصعب حلّها، ذلك أنّ العقبة المنهجية الكاداء تتمثل في كيفية نقل الفكر المنهجي من الجامع والجامعة إلى ساحة اللعب، وساحة الحياة العامة.
فما بين النقل والنقل، ضاع العقل كما يقول الإمام الإبراهيمي. فعندما ينتقل فقه المواطنة من الانفعال الظرفي، والانتماء الجرفي إلى السلوك العقلي، والتعامل الفعلي، عندها يمكن القول بأنّ الجامعة قد حققت أهدافها وجسّدت تقاليدها وأعرافها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى