كلمة الرئيس

نحن بين الحقيقة والإشاعة /الدّكتور عبد الرزّاق قسّوم

في أدبياتنا العربية الإسلامية، مقولات مأثورة، تنطق كلها بالمواعظ، وتفيض بالمعاني، منها قولهم: "من كتم داءه قتله" وقولهم: "إنما الحيلة، في ترك الحيل" وقولهم: "وتُقدّرون، فتخطئ الأقدار" وقول الشاعر النبل حافظ إبراهيم:
والمقادير إن رمت لا تبالي    أرؤوسا، تصيب، أم أذنابا
 

تذكرت مثل هذه المقولات، وأنا أُخضع التجربة المريرة التي تمر بها الجزائر، في تعاملها، مع شغور منصب الرئاسة بالمرض، أُخضعها للتأمل، إذ وجدت أن التعاطي مع مثل هذه الحادثة الصحية، كان خاطئا جدا، ويفتقر إلى أبسط المعايير المهنية الإعلامية والسياسية، فطريقة التعاطي مع مرض الرئيس، قد فتح الطريق أمام صياغة كل نوع من أنواع الإشاعة بدء بالإعاقة، وانتهاء بالموت، وما ذلك إلا لأن طريقة المعالجة كانت أبعد ما تكون عن الحقيقة، بحيث مكنت "لإذاعة الرصيف" أن تفعل فعلتها في الوسط الاجتماعي.
فمن قائل: "إنه لولا موعد مقابلة كأس الجزائر، ما كنا لنسمع بمرض الرئيس" ومن قائل: "أن إعلان موته قد أصبح وشيكا، وأنه يتم اختيار الطرق المناسبة لإعلانه" ومن…ومن إلخ.
وما كان كل هذا ليحدث، لو أن القائمين على الشأن السياسي عندنا، كانوا قد تعاملوا مع الحدث تعاملا واقعيا فأدركوا، أن الرئيس بشر، يجري عليه ما يجري لكل البشر، فهو رجل يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، وهو يمرض كباقي البشر، قد يموت ككل البشر، وليس في كل هذا أية غضاضة، فنحن شعب مسلم نقرأ في كتابنا خطاب الله لأفضل البشر محمد صلى الله عليه وسلم: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ}الأنبياء34، وقوله تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ}الزمر30.
فهذا الاضطراب، في إصدار البلاغات الصحية والتباطؤ في إصدارها، واقتضابها، وتناقضها أحيانا، كل ذلك قد مكن للإشاعة من أن تأخذ طريقها إلى عقول الناس، وكنا نود لو أن القائمين على الشأن السياسي عندنا تعاملوا مع القضية، على أساس التعامل مع "رجل عام" فالرئيس ليس ملكا لأسرته، أو قبيلته، أو عشيرته، وإنما هو ملف للأمة قاطبة، فصحته جزء من صحة الدولة، وبالتالي، فمن حق المواطنين، أن يعلموا عن صحته كل صغيرة وكل كبيرة، خصوصا إذا كان التوعك طفيفا، كما أوهمتنا البلاغات الصحية، وإذا كان غيابه الذي طال هو لمجرد النقاهة التي أوصى بها الأطباء، كما أكدت على ذلك البلاغات الصحية الشحيحة في معلوماتها.
إن الجزائريين، كانوا يتوقون إلى التعامل معهم بالصورة، والصوت إن أمكن فماذا كان يمنع لو أن الكاميرا تنقلت إلى مكان النقاهة، ونقلت صور الرئيس، وهو يبتسم أو يتحدث، أو حتى وهو يأكل، أو يمشي..إلخ إنهم لو فعلوا ذلك، لقطعوا دابر الإشاعة، ولقدموا الحقيقة الصحية، للناس جميعا.
أن هذا كله، يقودنا، إلى طرح أسباب أبعد من ذلك، ومنها الوجه الدستوري للحكم في بلادنا. فلماذا خلا الدستور عندنا من وجود نائب للرئيس يتولى مؤقتا مقاليد أمور البلاد ولو جزئيا؟ فلو كان ذلك كائنا، "لقطعت جهيزة قول كل خطيب" كما يقول المثل العربي. لو كان نائب الرئيس موجودا لعقد الندوات الصحفية اليومية، ولحرص على إصدار البلاغات الصحية الصباحية والمسائية، كما تفعل كل البلدان في مثل هذه الظروف.
لكننا لازلنا نتعامل مع الصحة والمرض، ومع الدستور وغير الدستور بلغتم التكتم، والسرية، والتخفي وما ذلك بالذي من شأنه، أن يقضي على البلبلة الفكرية، ويقنع الجميع بسلامة الموقف. أما ونحن، نقدم على إعداد الدستور، وعلى تعديله، في الصالونات المغلقة، أو الخالية من النوافذ، بدل أن نضعه في متناول الهيئآت، والمنظمات والشخصيات النافذة في المجتمع، ونوزع مسؤولية إعداده على كل الفئات قبل أن يعرض على الاستفتاء الشعبي المطلوب، فتلك هي المقدمة الخاطئة التي نجني نتائجها الخاطئة.
إننا لو أخذنا بالمنهجية المتميزة بالواقعية، والشفافية، والنضج السياسي، لكسبنا الرأي العام الوطني، ولأسكتنا الرأي العام الدولي ولقضينا على ينابيع مصانع الإشاعة، ولاستأصلنا كل فتيل، كفيل بزرع الفتنة، وصرف المواطنين إلى العناية بأمورهم اليومية، بدل صب اهتمامهم بصحة الرئيس.
فيا بني وطني!
يجب أن نتعلم من السقوط كيف ننهض، ومن الخطإ كيف نصيب، ومن الإشاعة كيف نصل إلى الحقيقة، فليس هناك أصعب من البساطة، ولا حيلة مع الله، كما قال ذلك الرئيس بوتفليقة ذات يوم: فيا ليت قومي يعلمون!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى