بحوث و دراسات

إسلام الاحتجاج والاحتياج /د.محمد دراجي

هذا العنوان هو من وضع العالم الجليل، والداعية الكبير، المرحوم عبد اللطيف سلطاني –رحمه الله- جاءت به قريحته وهو يواجه حملة عاتية من دعاة التغريب، وسماسرة الغزو الفكري، الذين تبنوا مذاهب فكرية وافدة، وأفكارا دخلية، وليتهم توقفوا عند الحد، وراحوا يعرضون تلك المذاهب والأفكار، ويروجون لها، وإنما اجتهدوا في ترويض الإسلام، وتطويع أحكام الدين والشريعة لتتفق وهذه المذاهب والأفكار، وحرصوا على أن يقدموها على أن الإسلام وأحكامه لا يضيق ذرعا بها، بل يبشر بها لأنها هي امتداد له، وتعبير صادق على أهدافه ومقاصده، فكانوا بهذا يتحكمون في الإسلام عوض أن يحتكموا إليه.
وقد تذكرت هذا الأمر لما قرأت حوارا مع أحد الفنانين المنهزمين فكريا، المأزومين حضاريا، وهو يبرر زيارته لإسرائيل، بالقول: نعم زرت إسرائيل، ولبست طاقية اليهود، ومع ذلك فإني مسلم، عوض أن يكون صريحا ويصارح الشعوب العربية الإسلامية، بأن الرقم الصعب في التفاعلات الدولية، وأن الطريق إلى العالمية في الفن الذي يتحكم فيه دوائر المال والسياسة، هذه الدوائر التي يملك اللوبي اليهودي العالمي اليد الضاربة، هو التعاطف مع إسرائيل والوقوف إلى جنبها في مواقفها السياسية الدولية، والتأكيد بأنها واحة للديمقراطية وحقوق الإنسان يتهددها الإرهاب الإسلامي والعربي، وعليه فلابد للمجتمع الدولي أن يسخر ترسانته العسكرية، وهيئاته ومؤسساته الدولية لضمان أمن حماية هذه الواحة، وعليه فكل من أراد الشهرة والطريق إلى العالمية أن يقدم فروض الولاء والطاعة لهذا الكيان المزعوم، وأن يهرول لزيارته.
فإذا بصاحبنا يتجاوز حده ويتعدى طوره، ليتحول إلى فقيه مفروض على الناس، ويقول للناس جميعا إنه مسلم رغم أنوفكم، أحببتم أم كرهتم، والإسلام لا يمانع في الهرولة نحو إسرائيل والتطبيع معها ثقافيا ومن ثم سياسيا، ولو كان المشروع الإسرائيلي استيطانيا، يقوم على اقتطاع أرض إسلامية، والعمل على تهويدها، وإقامة دولة يهودية عليها وتهديد المسجد الأقصى بتخريبه وإقامة الهيكل على أنقاضه، وقبل هذا وذاك، تشريد شعب بالكامل كان آمنا في بلده، وتحويله إلى الشتات، يعيش حياة البؤس والفتات.
ولو قلنا لهذا الشخص وأمثاله أن الواجب يتطلب فضح حقيقة هذا الكيان، وهتك أستاره، وحشد الرأي ضده ببيان أنه كيان عنصري وغدة سرطانية، وأنه خطر داهم يتهدد الإنسانية قاطبة، وأن هذا الأمر قد فطن له بعض الأحرار في الغرب، فراحوا يبذلون جهودا جبارة في فضح السياسة العنصرية لهذا الكيان، وهؤلاء رغم محدودية تأثيرهم يسبحون ضد التيار، ويسيرون في الاتجاه المعاكس، فهم يشكلون ضمير الإنسانية الحي، والنقطة المضيئة في الحضارة الغربية، وقد وصل الأمر بالكثير من هؤلاء أن دفعوا حياتهم ثمنا للدفاع عن الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة، رغم سياسة التعتيم الإعلامية التي تمارس ضدهم حتى لا يصلوا إلى التأثير في الرأي العام في بلدانهم وتغييره ليصبح مع الفلسطينيين، عوض التأييد المطلق واللامشروط لإسرائيل وسياستها المعربدة في المنطقة.
أما يستحيي صاحبنا وهو لاشك –أو هكذا يفترض- أنه سمع بأمثال (جارودي) و(نعوم تشوميكي) و(روتشل) وغيرهم كثير، الذين تحرروا من الهيمنة الإعلامية، والتضليل الثقافي، واجتهدوا أن يقولوا كلمة الحق، ولو كلفهم ذلك دفع فاتورة غالية الثمن.
ألم يسمع صاحبنا بعشرات جمعيات حقوق الإنسان التي تنظم رحلات على مدار سنة إلى الأراضي الفلسطينية ليندمجوا مع الشعب الفلسطيني ويعيشوا معهم مآسيهم ويواجهوا بالصدور العارية الدبابات الإسرائيلية وهي في طريقها لتجريف حقول الفلسطينيين، ويشتبكوا معها.
وفي الختام إني لأتساءل هل صاحبنا فنان أم فقيه؟ وهل الواجب في حقه وفي حق أمثاله سؤال أهل العلم، عن حكم لبس طاقية اليهود؟ أم التجرؤ على الفتيا، واقتحام حمى العلم الشرعي دونما مؤهل، ليقول (ولبست طاقية اليهود مع ذلك فإني مسلم). وماذا إذا واجهناه بآن أهل العلم مجمعون على حرمة لبس ما هو خاص باليهود والنصارى، وشعار لهم، بل جعلوا هذا الأمر أي لبس ما هو خاص بالكفار وشعار لهم من موجبات الردة، ومقتضيات الكفر، وأكتفي هنا بإيراد كلام الإمام الدردير (العلامة أبي البركات أحمد بن محمد بن أحمد الدردير) في كتابه الشرح الصغير على أقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك، وهو من المراجع المعتمدة في مذهب الإمام مالك، وهو بصدد تعريف الردة وما يحققها من أقوال وأفعال، فقال: (الردة كفر مسلم بصريح أو قول يقتضيه، أو فعل يتضمنه، كإلقاء مصحف بقذر، وشد زنار مع دخول كنيسة) وقال في شرح العبارة الأخيرة: (أي لبسه الزنار ميلا إلى الكفر، لا لعبا فحرام، مع دخول كنيسة مرتبط بشد زنار، وهو ضم الزاي وتشديد النون) المراد به ملبوس الكافر الخاص به لا خصوص الملون).
وعليه فما فعله هذا الفنان هو أمر عظيم إذ قد يكون من مولاة الكفار المخرج من الملة، وقد يكون هذا أحق مراتبه حراما يبوء بإثمه، فليجتهد إن كان في قلبه ذرة من إيمان، وفي وجهه ذرة من حياء، وفي رأسه مسكة من عقل، إلى الاعتذار إلى المسلمين عما بدر منه، وإلى التوبة النصوح عسى الله أن يتوب عليه.

 
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى