كلمة الرئيس

عائد من الهند … بلد حفاظ "البقرة"، وعبّاد "البقرة"

GUESSOUM111111سبحانك اللّهم، يا رب! خلقت الأكوان، وقسّمت البلدان إلى أوطان، وبوّأت –فيها- الإنسان، في أعلى وأغلى مكان.

سبحانك، يا من خلقت –من بين الأكوان- شبه القارة الهندية، فجعلتها فسيحة الأرجاء، خصيبة خضراء، يتعايش فيها العلماء والحكماء، مع الجماهير الدهماء، والحيوانات العجماء.

إنّ في خلق الهند وخصوصياته، وما يتميّز به عقل أبنائه وبناته، ودياناته المتعددة ولغاته، لآيات لمن رام إدراك “ما في الهند من مقولة، مقبولة في العقل أو مرذولة”.

كنت والطائرة تحلّق بنا، فوق أرض مطار دلهي*، أسيح بعقلي في كنف التاريخ الهندي، فاستعدت ما قرأته عن المعتقدات الهندية، كعقيدة “الأوبانيشاد”، وحكمة “بوذا”، وفلسفة محمد إقبال، وطاغور، والمهاتما غاندي، وأبي الحسن الندوي، وغيرهم ممن تركوا بصماتهم في ذاكرة الهند العريقة.

كما تذكرت ما قام به علماؤنا العرب قديمًا وحديثًا، من اكتشاف لكنوز بلاد العجم، كما فعل العالم البيروني في الهند، والشيخ محمد البشير الإبراهيمي في باكستان، والزعيم الفضيل الورتلاني في تركيا، وغيرهم، فأدركت أيَّ جهدٍ بذلوه، وأيّة تضحيات قاموا بها في سبيل ربط وتعزيز أواصر الأخوّة بين أجزاء الأمّة الإسلامية.

ذهبت إلى الهند، لزيارة هذا البلد الخصيب لأوّل مرّة بتكليف من الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، لتمثيله في اجتماع الدورة الثانية والعشرين لمجمع الفقه الإسلامي، استجابة لدعوة كريمة من هذا المَجمَع العلمي المتميّز، فكان اللقاء في مدينة “أمروحة” التي تبعد عن “نيودلهي” بمائة وخمسين كيلومتر.

إنّ مما شدّ انتباهي في هذا الاجتماع الفقهي، الذي يضمّ كبار الباحثين العلماء من كلّ اتحاد الهند، والذين بلغ عددهم حوالي خمسمائة مشارك، دقة التنظيم، ومستوى النقاش، وروعة الانضباط، وامتلاك الجميع للغة العربية فهمًا، واللغة الأوردية أداء، داخل جامعة “أمروحة الإسلامية” التي هي جامعة لكلّ العلوم الإسلامية، من كتاب، وسنة، وفقه، واقتصاد، وقانون، وكلّها تصّب في مصّب التكوين الإسلامي، بمنهجية حديثة، وحوار دقيق وعميق.

كان الموضوع المعالج في هذه الدورة الفقهية ذا أبعاد تضرب بعمق في واقع المسلمين اليوم، مثل “بيع الوفاء” وقضية الانتخابات، وبيع الصكوك. ولقد كشفت العروض العلمية، وما تلاها من نقاش عن مستوى علمي غزير، وعن تفتّح على العالم كبير.

كان الحضور من خارج الهند محدودًا، فقد اقتصر الحضور على الجزائر، وتركيا، وجنوب إفريقيا، على تميّز هذا الحضور بالرّغم من محدوديته. كما غاب عن المؤتمر الفقهي العنصر النسوي، حضورًا، وتنظيمًا، ومشاركةً، وهو أمر لافت للانتباه، في مجمع إسلامي يتعايش مع ديانات أخرى، ويمثّل أقليّة بارزة يبلغ عدد أتباعها ما يزيد على المئة وستين مليون مسلم، من مجموع سكان الهند الذين يبلغ عددهم مليار ومِئتين مليون نسمة.

كيف استطاع المسلمون إذن، وهم المتعبِّدون بالقرآن بدءًا من سورة البقرة، والحافظون لآياتها، والعاملون بأحكامها، كيف استطاع هؤلاء –إذن- أن يتعايشوا مع عبّاد البقرة، والمقدسون لها، والمحرمون لأكل لحومها، مع هذا البون الشاسع الذي يفصل بين العبادتين؟.

إنّ الملاحظ هو أنّ الوئام، والسّلام يسود العلاقات الدينية بين المسلمين وباقي الديانات، من هندوس، وبوذيين، وسيخ، ونصرانيين، ويهود، ولادينيين، وكلّ ذلك يقدّم دليلاً قاطعًا على حسن تسامح المسلمين، مما يقدّم نموذجًا طيّبًا لتعدد الديانات، وتنوّع اللّغات.

لقد كان من حسن استقبال الوافدين إلى المؤتمر، إفساح المجال للوفد الجزائري، والتركي، والجنوب إفريقي، للحديث عن تجربة كلّ بلد في المجال الإسلامي للمؤتمرين، فكان موضوع حديث كاتب هذه السّطور عن منهج الإصلاح والتغيير في بناء الأمّة لدى جمعية العلماء. ولقد تلا المحاضرة نقاش متميّز وهام، جعل الكثير من علماء الهند، يطلبون تزويدهم بمؤلفات العلماء الجزائريين، وهو ما يمثّل نقصًا كبيرًا في العلاقات الثقافية بين الجزائر والهند.

وعلى كلّ فإنّ أهمية الحضور الجزائري في مثل هذه التظاهرات، خصوصًا في البلدان النائية عنّا، لا تخفى على أحد، ولا بدّ من بذل المزيد من الجهد لإيفاد العلماء القادرين على تقديم الثقافة الوطنية في بعدها العربي الإسلامي للجماهير التي تجهل كلّ شيء عن هذه الثقافة… وإنّ هذه هي السفارة الحقيقية التي تكون الجزائر أحوج ما تكون إليها.

فحيّا الله إخواننا المسلمين في الهند، لما قدّموا ويقدّمون من جهد وجهاد في سبيل تقديم إسلام عميق في جوهره، دقيق في مخبره، حقيقي في مظهره، وذلك ما يحتاج إليه المسلمون في عالم الثقافات وحوار الديانات والحضارات.



* أصل التسمية هو دهلي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى