تحاليل وآراءحدث وتعليق

هل أصابت لعنة السلطة الأحزاب الإسلامية؟!/عبد الحميد عبدوس

ABDOUS يبدو أن الأحزاب الإسلامية التي دفعتها موجة الربيع العربي إلى صدارة المشهد السياسي بعدما فازت في أغلب الاستحقاقات الانتخابية بأكبر قدر من نصيب الثقة الشعبية، أصبحت تعيش فترة من العسر السياسي والتكالب الإعلامي ضدها!

وإذا كانت هذه الأحزاب الإسلامية قد تقاسمت ثمار الربيع الديمقراطي مع بقية القوى السياسية، في التخلص من قمع الأنظمة الديكتاتورية المنهارة، إلا أنها تتعرض بمفردها للسعات خريف الغضب الشعبي، بعد تراجع الآمال في تحقيق الرخاء الاقتصادي السريع، وتوزيع عائدات الثروات المنهوبة من طرف حكام الأنظمة السابقة، والمقدرة بمليارات الدولارات، والتي لم يتم استرجاعها حتى اليوم، وسواء أتعلق الأمر بحركة “النهضة” في تونس التي تحوز الأغلبية في تشكيلة الحكومة الائتلافية، أو بحزب “الحرية والعدالة” الذارع السياسي لحركة الإخوان المسلمين في مصر، الذي ينتمي إليه الرئيس المنتخب محمد مرسي، فإن جميع الأطراف، بما فيها في بعض الأحيان شركاؤها في الحكم، أو حلفاؤها في المشروع السياسي العام، تحملها مسؤولية تردي الأوضاع، وتعلق لائحة سلبيات التسيير على رقبتها.

وفي تونس توصل رئيس الحكومة المكلف بالكاد إلى تشكيل حكومة، وتقديمها في الآجال الدستورية إلى رئيس الجمهورية للمصادقة عليها قبل عرضها على المجلس التأسيسي للتصويت عليها، وأمضى السيد علي لعريض 15 يوما كاملة في مفاوضات مع قوى سياسية تنافست في رفع سقف الابتزازات والمساومات لتحقيق مكاسب سياسية عاجلة على حساب حركة “النهضة”، التي قطعت أشواطا بعيدة في تقديم التنازلات واسترضاء بقية الأطراف للوصول إلى ائتلاف حكومي موسع، ولكن الأمر آل في النهاية إلى العودة إلى نقطة البداية، والاكتفاء بأطراف الترويكا التي شكلت أضلاع حكومة رئيس الوزراء المستقيل السيد حمادي جبالي، مع تطعيم التشكيلة بعدد من المستقلين، ولم يجد حركة النهضة نفعا تقديمها لذلك التنازل المؤلم في رأي أنصارها ومناضليها، بالتخلي عن الوزارات السيادية استجابة لشروط المعارضة قبل البدء في المشاورات السياسية، لتشكيل أوسع ائتلاف حكومي يخرج تونس من حالة الاستقطاب الخطير بين الإسلاميين والعلمانيين، ذلك الاستقطاب الذي ازداد تأزما بعد اغتيال المناضل اليساري شكري بلعيد في 6 فيفري 2013.

ومن أجل بناء التوافق، وإنجاح مرحلة التحول الديمقراطي، سبق لحركة النهضة أن قدمت تنازلا اعتبره البعض معادلا لتخلي حركة النهضة عن تراثها النضالي، وإفراغا لحزبها من محتواه الفكري والإيديولوجي، وذلك بموافقتها على التخلي عن مطلب إدراج الشريعة الإسلامية كمصدر للقوانين في الدستور التونسي، فضلا عن عدم تصديها للمعاملات الربوية في القطاع المالي، وترك الأمور على ما كانت عليه في قطاع السياحة، واستهلاك الخمور، وشيوع مظاهر الخلاعة وخدش الحياء، وكأن لا شيء تغير في الواقع التونسي بعد وصول حركة النهضة إلى السلطة، التي تتهم بأنها تعمل على “أسلمة” المجتمع التونسي من طرف المعارضة والإعلام الفرنسي.

 وفي ذلك يقول الرئيس التونسي الدكتور منصف المرزوقي في حوار له مع جريدة جزائرية نشر قبل ظهور التشكيلة الحكومية الجديدة: “… جزء من العتب موجود على الصحافة الفرنسية، وخاصة المرتبطة بالأساس بجزء من المعارضة التونسية، والتي تنقل صورة مغلوطة، هؤلاء يصوّرون أن تونس محكومة بنظام إسلامي، إن النهضة فعلا هي القوة الأكبر تمثيلا في البرلمان، وتقود الحكومة لكنها لا تحكم وحدها، رئيس الجمهورية “علماني” ورئيس المجلس التأسيسي “علماني” هذا لا ينتبهون إليه، ويقدمون تونس على أنها على طرف الأسلمة، وهذا غير صحيح ويمكن لمن يتجول في تونس أن يتأكد من ذلك”.

لعل من مظاهر لعنة السلطة على حركة النهضة أن زعيمها الشيخ راشد الغنوشي، الذي كان يمثل رمزا إسلاميا في التصدي للطغيان والذود عن حق الشعب في الحرية والكرامة، والأصالة العربية الإسلامية لتونس، تعرض بعد وصول حزبه إلى السلطة، إلى الرشق بالحجارة في 3 مارس الماضي (2013) من طرف شبان غاضبين على أداء الحكومة، رغم أنه تنقل إلى مدينة تالة لحضور مراسم إعادة دفن رفات أحد أبطال تونس ومدينة تالة، الشيخ أحمد الرحموني الذي أعدمه الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة في سنة 1962، بتهمة المشاركة في محاولة انقلاب ضد نظامه، ويتذكر الجميع أن الشيخ راشد الغنوشي كان يحمل فوق أكتاف الشعب من مستقبليه بعد عودته من منفاه، عقب سقوط نظام زين العابدين بن علي!!

أما في مصر فإن موجة تشويه وتسفيه تصرفات الرئيس محمد مرسي مافتئت تتصاعد، ويكاد التحامل على حركة الإخوان المسلمين، وحزب الحرية والعدالة يتحول إلى نشاط سياسي يومي من طرف المعارضة، وإلى برنامج إعلامي مشترك لفضائيات ووسائل إعلام الفلول والمال الفاسد، بل إن رموز نظام حسني مبارك المنهار من الوزراء والأثرياء، مثل الجنرال الهارب إلى الإمارات العربية المتحدة والخاسر في الانتخابات الرئاسية الأخير، أحمد شفيق، والملياردير المتهرب من الضرائب والهارب إلى لندن في ملجئه الاختياري الذهبي، رجل الأعمال القطبي نجيب ساوريس، يعتبران أن جماعة الإخوان المسلمين جماعة محتلة يجب تحرير مصر منها. ولكل من أحمد شفيق ونجيب ساوريس امتدادات وأتباع ومريدين وزبائن وأزلام في جبهة الإنقاذ الوطني، وفي وسائل الإعلام المصرية، ذلك الإعلام  الذي يصفه المعلق الرياضي علاء صادق بأنه “اجتمع على قلب واحد للدفاع عن كل من يخالف القانون أو يتهرب من الضرائب أو يسرق فلوس البلد أو يمول البلطجة والتخريب”.

وإذا كانت المظاهرات والاعتصامات والمسيرات تعتبر في الأنظمة الديمقراطية من وسائل التعبير السلمي عن المعارضة والمطالبة بالحصول على الحقوق المشروعة للفئات الاجتماعية المختلفة، فإنها تحولت في بعض الأحيان في أم الدنيا إلى “لعب عيال”، حتى أن عمال شركة “أوراسكوم” قاموا بتنظيم مظاهرة للاحتجاج على مطالبة أصحاب الشركة بدفع ضرائب متأخرة، وقال المتظاهرون الذين يرجح أنهم حركوا من طرف أرباب عملهم من عائلة ساوريس، بأن مطالبة أصحاب شركة أراسكوم للإنشاء والصناعة بأموال الضرائب، تدفع أصحاب رؤوس الأموال للهرب من مصر!

وفي جو الفوضى والتشاحن السياسي يتطوع عدد من السياسيين المعارضين بدافع الكراهية للتيار الإسلامي، إلى الإدلاء بقدر هائل من السخافات السياسية، والافتراءات الأخلاقية إلى حد الإدعاء باعتبار المشاركة في الانتخابات جريمة في حق الوطن، أو أن حكم الإخوان هو أكثر قسوة من نظام ما قبل الثورة، حتى أن زعيم جبهة الإنقاذ الدكتور محمد البرادعي أصبح يطالب الجيش بالتدخل في الحياة السياسية، بعد أن كان يعتبر إخراج العسكر من الحياة السياسية هو الضمانة الأكيدة لنجاح الديمقراطية، رفض المشاركة في الانتخابات الرئاسية بحجة أن القرار سيبقى في يد أعضاء المجلس العسكري.

حقا، أن مشاركة الإسلاميين في قيادة مرحلة التحول الديمقراطي جعلتهم يصبرون على العنف الإعلامي والسياسي، المسلط عليهم دون رد، خشية أن يتهموا بأنهم يمارسون العنف، وهي تهمة يمكن أن تمر دون تمحيص من طرف قوى دولية، ما زالت ترى وصول الإسلاميين إلى السلطة حالة شاذة، ومن الأفضل أن تكون مرحلة استثنائية وعابرة!.

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق